وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى علة لطيفة في ديمومة الجهاد بقوله: (ما يزال الجهاد حلوًا خضرًا ما نزل القطر من السماء، وظهر النبات من الأرض) ، فربط ذلك بهذا الوصف، في إشارة إلى أن الناس يرزقون الخير بهذا، ويغدق عليهم النعيم بمثل هذا السبب، والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى. وثمة أمران يرزق الله جل وعلا بسببهما الخير والرزق، وينزل القطر من السماء والنبات من الأرض: أولهما: على سبيل الاستدراج، فإن الله عز وجل يستدرج من بغى وتعدى حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الخبر: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) .ثانيهما: بسبب الخير والجهاد، ومجالدة أعداء الله سبحانه وتعالى سواء من الكفرة أو من المنافقين، فإن من ثمار ذلك التمكين في الأرض، وأن يجعل الله عز وجل للأمة المكنة، ومن أثر تلك المكنة أن يرزق الله الأمة ثمار تلك التمكين، وهو خيرات هذه الأرض وجبايتها، وكذلك حكم الناس وإشاعة العدل فيهم، فإذا ظهر هذا الأمر في الناس فإنه حينئذٍ دليل على وجود مسبب ذلك، وهو إقامة حدود الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض.
المسألة الثانية: أن الناس إذا صدوا كلمة الحق، وإظهار الجهاد في سبيل الله، وخذلوا خير الأرض في زمانهم، سلط الله عز وجل عليهم عدوًا، سواء كان من بينهم أو من غيرهم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم عدوًا) . وقوله عليه الصلاة والسلام: (سلط الله عليكم عدوًا) إشارة إلى سبب التسليط، وهو الدعة، وأخذ المال من حيث يأتي من غير تمييز لحلال ولا حرام.