وقول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى هنا: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام) ، يعني: أن المقياس بالشر وانتشاره، وليس بجور السلطان، ولا بنزول القطر من السماء، ولا بالقحط، (ولا عام أخصب من عام) أي: بظهور الربيع في الأرض، (ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهابكم ذهاب علمائكم) ، وهذا فيه إشارة إلى أن خيرية السلاطين لا تدل على خيرية الشعوب، فقد يكون ثمة سلطان باغٍ، والشعب فيه خير عظيم، لكن ما وجد العلماء؛ لأنهم يقومون بالحق، وقد يوجد في شعب ويتولى أمره سلطان عادل، ويكون حينئذٍ العلماء لا يظهرون الحق لشهوات ومطامع في أنفسهم، وينتشر الجهل في الناس، والأولى هي أكثر من الثانية، والثانية أندر، وهذا من شاهده وقرأ التاريخ وجد له أمثلة كثيرة، هذا فيما يتعلق بمسألة المقياس.
وأما صفة هذا الخبر الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: (تعرف منهم وتنكر) أي: أنهم يقولون من الخير ويقولون من الشر، والواجب على من كان تحت ولايتهم أن يقوم بأمرين: الأمر الأول: المعروف أن يأتي بالمعروف، وهذا فيه أدنى درجات السلامة، وهو أن يقوم الإنسان بالمعروف. الأمر الثاني: ألا يظهر المنكر؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (فمن عرِف) ، وجاء في بعض الألفاظ (فمن عرّف) يعني: عرف المعروف ولم ينكر المنكر خشية من السطوة (فقد برئ) يعني: أبرأ ذمته، (ومن أنكر فقد سلم) أي: من أنكر على السلطان شره فقد سلم من عقاب الله سبحانه وتعالى، وهذه هي المرتبة العليا.