أول هذه الأشراط التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام (عمران بيت المقدس) وجاء بعده متلازمًا مع خراب يثرب وهي المدينة، والمراد بالخراب هو الهجران، وقد جاء تفسير ذلك في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لتتركن المدينة على أحسن ما تكون) ، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا من حديث أبي هريرة وغيره في المسند وغيره، قال: (لتتركن المدينة حتى لا يغشاها إلا الكلاب فيغذي -يعني: يبول- على السواري) ، يعني: سواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا متضمن أن عمران بيت المقدس بالمباني، وكذلك الناس طمعًا لا في دين، وإنما الطمع في دنيا، وهذا يدل على انفتاح الخير في أبواب الشام بعد ما كان الانفتاح في جزيرة العرب، وكذلك في المدينة على وجه الخصوص؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (عمران بيت المقدس خراب يثرب) ، أي: أن علامة عمران بيت المقدس هو خراب المدينة.
ويظهر في هذا جملة من المعاني: أولها: العمران المادي، وهذا ظاهر في هذا الخبر. ثانيًا: حصول الخلافة في بيت المقدس، والدليل على هذا ما جاء عند أبي داود وغيره من حديث ضمرة، عن ابن زغب، عن عبد الله بن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة في بيت المقدس فانتظر الزلازل، والبلابل، والأمور العظام، والساعة حينئذٍ كيدي من رأسك. ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه) ، وإسناده لا بأس به، وقد جاء من طرق متعددة عن عبد الله بن حوالة، وعبد الله بن حوالة من أهل حمص وممن بقي فيها، واعتماده لفقه هذه المسائل دليل أخذ فقهاء حمص عن ابن حوالة، وهذا الخبر مما هو مقبول عند أئمة النقد.