وهذا الترتيب لو ثبت واتفق الرواة عليه لا يلزم من ذلك هو ترتيب الوقوع فعلًا، وإنما يعني أنها مصاحبة. ويؤكد هذا ويؤيده أن ما كان متتابعًا وممتزجًا بعضه مع بعض يتجوز الناس في نقل خبره من جهة الترتيب، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسند من حديث عبد الله بن عمرو قال: (إن أشراط الساعة كخرزات في عقد، إذا انقطع العقد تتابعت) ، وقد جاء أيضًا من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الأحاديث تدل على التتابع، والتتابع لا يستطيع معه الإنسان أن يميز هذه المعاني، خاصة أنه دل الدليل على تداخلها، ومن ذلك مسألة إمام المسلمين الذي يصلي بالناس في نزول عيسى ابن مريم، وكذلك المسيح الدجال الذي ينزل ويقتله عيسى، وقتل عيسى له دليل على أنه جاء بعده، وأدرك شيئًا من زمنه، وكذلك يأجوج ومأجوج هو مصاحب لعيسى ابن مريم؛ ولهذا عيسى ابن مريم يلجأ بالمسلمين إلى الطور، ويأجوج ومأجوج لا يقاتلون، وهم مما سلطهم الله عز وجل على عباده، فلا يأمر الله عز وجل المسلمين بقتالهم مع أنهم يفسدون، وهذه متتابعة ومتداخلة من جهة الوقوع، فترتيبها من جهة الأصل خاضع لمسائل الاجتهاد، وخاضع أيضًا لبعض صيغ الرواية التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في ذلك جملة من الروايات، جاء في ذلك حديث حذيفة بن أسيد، وجاء في ذلك أيضًا حديث أبي هريرة، وحديث سلمان الفارسي و أنس بن مالك وغيرها من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر علامات الساعة الكبرى.
وإذا علم هذا علم أن الإطلاقات التي يطلقها من يتكلم في أشراط الساعة هي خاطئة في الظن، ولا يقين في ذلك، وأما ما دل عليه الدليل على التداخل فإنه يقطع به، كمثل المسيح الدجال يخرج قبل عيسى ابن مريم، ثم يتبعه عيسى ابن مريم، وهم في زمن واحد، وهذا قد دل الدليل عليه.