فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 197

وقوله: (ورضيتم بالزرع) إشارة إلى رغد العيش، وإشارة أيضًا إلى الخيرات التي يفتحها الله عز وجل على الأمة في الأزمنة المتأخرة التي لم تكن في السالف، وهذا من أشراط الساعة أيضًا. وقوله: (وتركتم الجهاد في سبيل الله) معنى الترك أن يترك على سبيل العموم مع وجوده على سبيل الأفراد، فسلط الله عليكم من الذل ما لا ينزعه الله عز وجل عنكم حتى تعودوا إلى دينكم، وفيه إشارة إلى نزع الإيمان من قلوب كثير من الناس بسبب هذا الأمر.

وقد يكون من ثمار ذلك شرط من أشراط الساعة وهو: شيوع الخير ورغد العيش في الأرض، وهذا قد أخبر عنه عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا كما كانت) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (تعود) إشارة إلى كونها في السابق على هذه الحال، وقد نص على تأكيد ذلك في بعض الروايات حيث قال: (كما كانت) .

وهنا إشارة إلى مسألة مهمة، وهي أن الله عز وجل يفعل ذلك على سبيل الاستدراج للأمة، أو على سبيل التذكير بزوال الدنيا، والعاقل يتذكر من أمثال تقلب الأحوال، وتغير الزمان، وتقلب المواسم بزواله من هذه الدنيا، وكذلك أحوال الأمم السالفة. وأما الذي علق قلبه بالدنيا فإنه ينصرف إلى إشغال قلبه بلذائذ الدنيا ومتعها، ومن ذلك الميل إلى رغد العيش، وقد أشار إلى هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام في خبر آخر قد رواه البخاري و مسلم من حديث سعد الطائي عن محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لئن عشتَ) ، وجاء في رواية: (لترين الظعينة تسير من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله) ، ومعنى الظعينة: هي المرأة التي تركب الراحلة، فتسير من الشام إلى مكة لا تخاف إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت