فهرس الكتاب
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الفرات يحسر عن جبل من الذهب، يقتتل عليه الناس، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، كل واحد منهم يظن أنه الناجي) ، وقد يقال: ليس في هذا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل العموم؛ وذلك أن الأول كان فيه مقتل، وأما الثاني فكان فيه قتل، فيظهر أن ما كان في العراق من انحسار الجبل عن الذهب يكون في ابتداء خروجه؛ ولهذا قال في الخبر من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى قال: (يأتي القاتل فيقول: في مثل هذا قتلت) ، يعني: قتلت الناس على هذا المال، وأما في حال الاستفاضة كأن الناس أمسكوه، قال: (ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا) ، وبه يعلم أن استفاضة المال وكثرتها تكون بعد انحسار الفرات عن جبل من الذهب.
وثمة جملة من المسائل ينبغي الإشارة إليها في هذا، وهي أن مسألة المال المخصوص هنا في الذهب والفضة كما في الحديثين: في قوله عليه الصلاة والسلام: (تقذف بأمثال الأسطوان من الذهب والفضة) ، هل هو مقيد بهذا النوع أم المراد بذلك نفاسة المال؟ هذا محتمل أن يكون على الذهب والفضة على سبيل التخصيص، ومن الاحتمال أيضًا أن يكون المراد به ما هو أوسع من ذلك من خروج الأرض كنوزها سواء كان من المعادن أو من غيرها، وإنما كان الإشارة إلى الذهب والفضة لأن كل ما كان له قيمة عند الناس إنما هو راجع عنه؛ ولهذا فإن النقدين الذهب والفضة به يتعامل الناس، وبه يتبايع الناس من جهة البيع والشراء، فالإنسان يشتري طعامه من ذهب، أو يشتري أرضه من ذهب، وربما يزرع بستانًا من ذهب، واستحالة ذلك في الأزمنة المتأخرة من انتشار العملات النقدية والعملات الورقية هي أصلها من الذهب والفضة، وأشير إلى هذا الأمر إلى أنه أصل كل شيء.