والعمران على نوعين: عمران خلافة، تكون خلافة المسلمين سواء كانت على استقامة أو اعوجاج، ويظهر أنها على اعوجاج، وليست على استقامة في مثل هذه الحال؛ لأن هذا متضمن لخراب يثرب، والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر كما في مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: (ليقولن الرجل لقريبه وابن عمه: هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد) ، وفي هذا الإشارة أن الناس يتواصون حتى وإن كانوا في المدينة (هلم إلى الرخاء) يعني: إلى الشام، ويتركون بذلك المدينة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) ، وهذا فيه إشارة إلى أن أكثر الناس يذهبون إلى الشام وبيت المقدس طلبًا للدنيا، وطلبًا للمتع، وعمرانها بالمادة، وكذلك الملبس والمأكل والمشرب ونحو ذلك.
وهذا لا يعني أن الشام ليست بموضع أرض مباركة، فقد جاء بيان أن الشام من الأرض المباركة في جملة من الأحاديث، وتقدم الكلام عليها على وجه الخصوص في محاضرة بعنوان (المسجد الأقصى فضائل ومسائل) يحسن الرجوع إليه. ولكن علاقة الشام بالنسبة لهذا الموضوع من جهة الفتنة على أحوال متعددة: الحال الأولى: إذا كان يتضمن عمران بيت المقدس خراب المدينة فهذه مذمة وليست بمحمدة، وعمران بيت المقدس يظهر أنه بعد فتح المسلمين لبيت المقدس، ويكون بعد ذلك سعة في المال وترك للمدينة، والمدينة هي أفضل البقاع بعد مكة عند عامة العلماء وجمهورهم.