وبه يعلم أن الإنسان إذا أعطى زكاته إلى وكيل له، وليس من وكيل مشترك بين الفقير والغني أن هذا من محق بركة المال، ويخرج من هذا الوكيل النائب عن الغني والفقير؛ ولهذا الوكلاء ثلاثة في هذا الباب: وكيل عن الغني، وهو كحال الغني، وجد المال عنده أو عند وكيله، فإن هذا حكمه واحد، ووكيل للغني والفقير فهذا يأخذ الحكمين، فإذا دفعه الغني إلى وكيله ووكيل الفقير بنية أنه وكيل الفقير جاز وصح، كحال المؤسسات والجمعيات الخيرية، أو الوكلاء الذين يقومون بتوزيع الصدقات على الفقراء، وأما وكيل الفقير فهو أولى بالدفع وأبرأ للإنسان من أن يدفعه إلى غيره ممن يشترك في باب الوكالة؛ لأن هذا أقرب إلى قبض اليد ودفع الزكاة.
ويعلم أن هذا من ثمار جملة من أشراط الساعة التي تقدم الإشارة إليها، ومنها: الجشع والطمع، ومنها استفاضة المال، وذلك أنه مع استفاضة المال يقترن الشح؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لو أوتي ابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا) ، في إشارة إلى شدة الطمع، فإن المال إذا استفاض شح الناس بدفع الزكاة. وفي ادعاء أن الزكاة مغرم ليس بدليل على أن قلة المال عند الإنسان، بل إن المال مستفيض، وهذا مشاهد عند كثير من أرباب الأموال الذين لو حسبت زكواتهم لم يوجد فقير في بلاد المسلمين، أو على وجه الأرض على وجه العموم. ومن ثمار هذا أيضًا: ذهاب الأمانة، وتقلب الإنسان في حاله من فقر وغنى، وفي هذا إشارة إلى محق البركة والفتنة التي تكون بين الإنسان وأهله وزوجه، وتكثر في آخر الزمان لعدم البركة في ماله ونحو ذلك، وغير هذا مما يعلم في مسألة تبعة حب المال والشح المطاع.