فهرس الكتاب
فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتكم بشيء من الأحكام وهو منصوص عليه في القرآن وهو الجلد، ونص على الرجم وهو في كلام الله، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب، وكذلك قد رواه الإمام أحمد بإسناد لا بأس به من حديث عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) . وأما التغريب فإنه لم ينص عليه في كلام الله إلا على سبيل الإجمال وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] .وأما ظاهر حديث عبد الله بن عمرو قال: (ما استكتب من كتاب غير القرآن) ، فالمراد من هذا أن الناس يعتمدون على الدواوين الفقهية، ولا يعتمدون على الوحي، وهذا ظهر وتفشى في الأعصار المتأخرة، واعتمدت أقوال الشيوخ، بل اعتمدت أقوال الأصاغر، ولم يتل في كثير من مجالس العلم القرآن ولا السنة، واعتمد على فتوى فلان وفلان، وهذا لا شك أنه من أشراط الساعة، حتى إن الإنسان إذا أراد أن يبلغ أو يدلل، تجد هذا يرجع إلى الكتب وهذا يرجع إلى الدواوين، ولم يرجع إلى كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من الفتنة التي ولدت الفرقة في صفوف المسلمين، فكتبوا الآراء والاجتهادات، وظهرت الأقوال الشاذة في الدين. والأولى في ذلك أن يرجع في أمور الدين للكتاب والسنة على السواء، فإنه الوحي الناطق الطاهر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويعتمد في فهم ذلك على فهم السلف الصالح من الخيار الذين وصفوا بالخيرية كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عمران بن حصين: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) . وهذه الخيرية التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام هي تفسير لقوله: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) ، فالفقه في الدين لما وجد في هذه القرون الثلاثة استحقت الوصف بالخيرية على سائر القرون، فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .