فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 197

ومراده بذلك أن الأئمة من أهل النقد والحفظ لم يعتنوا بالمرويات في أبواب التفسير والسير والمغازي والملاحم وأشراط الساعة وفضائل الأعمال، وغيرها مما يلحق فيها حكمًا، يعني: لم يعتنوا بها كعنايتهم بالأحكام؛ لأنها لا تدخل في صلب الدين، باعتبار أنه لا يلزم من ذلك إحداث عبادة من صلاة وصيام وصدقة، ونحو ذلك، وإنما هي تزيد من الإيمان وتنقصه، ويحتاج إليها الناس في زيادة الإيمان ونقصانه، فتدخل ضمنًا في أبواب فضائل الأعمال؛ لأنها من جهة المحصلة داخلة في هذا الباب. ولا يجوز أن يحتج على الإطلاق بأي حديث موضوع أو متروك أو منكر، أو فيه كذاب، أو ضعيف جدًا، أو تركه الأئمة، ولو كان كذابًا ولو مرة واحدة فإنه لا يحتج به في أي باب من أبواب العلم، ولو كان العلماء ممن يتساهلون في هذا الباب؛ ولهذا قد قال يحيى بن سعيد: (كنا إذا روينا في التفسير والسير والمغازي تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال) ، وذلك أن هذا يرجع فيه إلى الاحتياط، وهو داخل في صلب الدين، ويلزم منه إحداث العبادة. وما يكون فيه من أشراط الساعة ويلزم منه إحداث عبادة أو اقتداء واتباع، أو يلزم منه قتل وسفك دماء ونحو ذلك من إباحة دم الأصل فيه العصمة، فإنه حينئذٍ لا يؤخذ فيه إلا بالأحاديث الصحيحة؛ ولهذا لا يقال بالإطلاق أن أحاديث التاريخ والسير والمغازي أنه يتساهل فيها، فإذا كانت من أحاديث السير ويلزم منها عبادة أو تحليل وتحريم فإنه يحتاط لذلك، مثلًا مسألة المسيح الدجال وما يتبعه من فتنة وقد ساق الناس خلفه، وغير ذلك، فيحتاط في أنه يشدد فيه ولا نشدد في غيره، كمسألة نزول المسيح، والبلد التي ينزل فيها، ونحو ذلك؛ لأن هذا يلزم منه كثير من الأحكام التي ينبغي أن يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت