فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 197

ثم إنه لا يظهر فيه الإعجاز إذا كان على التخيلات، فإن الناس يستطيعون أن يفعلوا مثل ذلك، كما يفعل السحرة، ولكن يفعلون في بعض البشر دون سائر الخلق، فلما كان هذا قد تحقق في سائر الخلق ممن حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن كان بعيدًا من أهل الآفاق دل على أن هذا هو على الحقيقة، وإن كانوا يعتضدون بما جاء عند ابن جرير الطبري من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال: (لما شق الله القمر لنبيه عليه الصلاة والسلام وكسفه) ، وجاء في رواية: (كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فرقتين) ، قالوا: فلما ذكر عبارة الكسوف دل على أنه حيل بين القمر وبين الشمس بكوكب، فأضاء على شطره، فكان ثمة شيء من الغيم الكثيف على الجهة الأخرى تشبه بجزء القمر الآخر، فتشبه حينئذٍ في أعينهم على أنه انشقاق، وليس كذلك، وإنما هو من الخيال، وهذا لا شك أنه بعيد كل البعد. والانكساف الذي جاء في الأثر عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أراد به المعنى، ثم إن عبد الله بن عباس لم يشهد ذلك، بل كان حين انكساف القمر ربما لم يولد،؛ وقد ذكر جماعة من أهل السير أن انكساف القمر كان قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأربع، والخمس أقرب، وقد جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى قالت: (نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] وأنا جارية ألعب قبل الهجرة) . ومعلوم أن عبد الله بن عباس عليه رضوان لله تعالى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد ناهز الاحتلام، يعني قاربه، فيكون حينئذٍ عمره قريب من الرابعة عشرة، وهذا ثابت كما جاء في البخاري عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال: (أتيت إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم وهو بمنى، وهو يصلي إلى غير جدار، وأنا غلام قد ناهزت الاحتلام على أتان، قال: فمررت بين يدي بعض الصف، وتركت الأتان ترتع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت