بالجارية كان النصف ثم نصف هذا النصف مستثنى من النصف. فعلم أن المراد بالجارية لم يكن نصفا بل ربعا والمفروض أن المستثنى نصف ما هو المراد فيكون نصف الربع مستثنى فيتسلسل هذا حكاية ما أورد ابن الحاجب والجواب الذي خطر ببالي هو قوله:."قلنا هو بيان أن المراد هو البعض لا أن المتناول هو البعض فإن اللفظ متناول للكل ثم هو استثناء من المتناول لا من المراد"أي: الاستثناء هو بيان أن المراد هو البعض لا أن المتناول هو البعض فإن اللفظ متناول للكل ثم الاستثناء من المتناول إلا من المراد فيكون استثناء النصف من الكل.
يكن عمل الاستثناء بطريق المعارضة, وإثباته حكما مخالفا لحكم الصدر لما لزم الإقرار بوجود الله تعالى بل بنفي الألوهية عن ما سواه, والتوحيد لا يتم إلا بإثبات الألوهية لله تعالى ونفيها عما سواه, ولا شك أنه لو تكلم بكلمة التوحيد دهري, منكر لوجود الصانع يحكم بإسلامه ورجوعه عن معتقده فثبت أن الاستثناء يدل على إثبات حكم مخالف للصدر.
هذا تقرير الحجج على وفق ما ذكره القوم احتجاجا بها على أن عمل الاستثناء بطريق المعارضة, وأنه من النفي إثبات وبالعكس. وقد سبق أن هذا عبارة عن المذهب الأول فيكون حججا على إثباته, وأيضا أنها تدل على بطلان المذهبين الأخيرين فتعين الأول وذلك; لأنه لا يتحقق على المذهبين الأخيرين حكمان أحدهما نفي, والآخر إثبات بل حكم واحد فقط أما على المذهب الثاني فلأنه إنما يتعلق الحكم بالصدر بعد إخراج البعض منه, فلا حكم فيه إلا على الباقي. وأما على المذهب الثالث فلأن مجموع المستثنى منه, والمستثنى وآلة الاستثناء عبارة عن الباقي, ولا حكم إلا عليه هذا, ولكن لا يخفى أن الحجة الأولى لا تدل على نفي المذهب الثالث إذ ليس فيه إعدام للتكلم بل قول بأن عشرة إلا ثلاثة اسم للسبعة فليس فيه إلا العدول عن التكلم بالأخصر إلى التكلم بالأطول.
قوله:"فإن قيل تقرير السؤال"ظاهر من الكتاب وتوجيه الجواب منع الملازمة, وهي قوله: إن كان المراد بالنصف المستثنى نصف الجارية لزم استثناء نصف الجارية من نصف الجارية, وإنما يلزم ذلك لو كان النصف مستثنى من المراد, وليس كذلك بل هو مستثنى من المتناول أي: ما يتناوله اللفظ, وهو الجارية بكمالها على ما سبق من أن الاستثناء عبارة عن منع دخول بعض ما يتناوله صدر الكلام في حكمه, وفيه بحث أما أولا فلأن المستثنى منه هو اللفظ باعتبار ما يتناوله بحسب الاستعمال, وقصد المتكلم لا بحسب الوضع للقطع بأنه لا يصح استثناء بعض الأفراد الحقيقي عن اللفظ المستعمل في معناه المجازي إذا كان استثناء متصلا مثل {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} إلا أصولها بأن يراد بالأصابع الأنامل, ويخرج منها الأصول على أنه استثناء متصل, وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من هذا القبيل; لأنه أراد بالجارية نصفها مجازا, وأخرج النصف منها باعتبار أنها تتناول الكل بحسب الوضع, أما ثانيا فلأنه غير اعتراض ابن الحاجب هربا عن إشكال الضمير وتقرير اعتراضه أنا قاطعون بأن من قال اشتريت الجارية إلا نصفها لم يرد بالجارية نصفها, وإلا لزم استثناء نصفها من نصفها, وهو باطل قطعا, وأيضا يلزم التسلسل; لأن استثناء النصف من