تعالى: {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} وقوله عليه السلام:"فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا"ولأن العمل بالأصل ممكن وقد دعينا إليه قال الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} ولأن الحكم حق الشارع، وهو قادر على البيان القطعي فلم يجز إثباته بما فيه شبهة، وهو تصرف في حقه تعالى؛ ولأنه طاعة الله تعالى ولا مدخل للعقل في دركها بخلاف أمر الحرب وقيم المتلفات ونحوهما فإن العمل بالأصل لا
ـــــــ
عبرة له في الشرعيات لهم قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} "ولما كان الكتاب تبيانا لكل شيء يكون كل الأحكام مستفادة من الكتاب, والقياس إنما يكون حجة فيما لا يوجد في الكتاب."وقوله تعالى: {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} "إن كان المراد بالكتاب اللوح المحفوظ فلا تمسك لهم حينئذ, وإن كان المراد القرآن فالتمسك به كما"
الأحكام الشرعية ولا في غيرها من العقليات والأصول الدينية, وإليه ذهب بعض الخوارج أو بمعنى أنه ليس للعقل ذلك في الأحكام الشرعية خاصة إما لامتناعه عقلا, وإليه ذهب بعض الشيعة والنظام, وإما لامتناعه سمعا, وإليه ذهب داود الأصفهاني رحمه الله تعالى, والمذكور في الكتاب أدلة المذهب الأخير, ولم يتعرض للأولين; لأنا قاطعون بأن الشارع لو قال: إذا وجدت مساواة فرع لأصل في علة حكمه, فأثبت فيه مثل حكمه, واعمل به لم يلزم منه محال لا لنفسه ولا لغيره, ثم اختلف القائلون بعدم امتناع القياس فقيل هو واجب عقلا لئلا تخلو الوقائع عن الأحكام إذ النص لا يفي بالحوادث الغير المتناهية. وجوابه: أن أجناس الأحكام, وكلياتها متناهية يجوز التنصيص عليها بالعمومات, والجمهور على أنه جائز ثم اختلفوا فذهب النهرواني والقاشاني إلى أنه ليس بواقع, والجمهور على أنه واقع ثم اختلفوا في ثبوته. فقيل: بالعقل. وقيل: بالسمع ثم اختلف القائلون بالسمع فقيل بدليل ظني, وقيل قطعي وبه يشعر كلام المصنف رحمه الله حيث استدل عليه بدلالة نص الكتاب وبالسنة المشهورة وبالإجماع.
قوله:"المراد بالكتاب اللوح"عن ابن عباس رضي الله عنه هو لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وعند الحكماء هو العقل الفعال المنتقش بصورة الكائنات على ما هي عليه منه تنطبع العلوم في عقول الناس, وقيل: هو علم الله تعالى. وعلى هذا لا استدلال ولو كان المراد بالكتاب المبين هو القرآن فلا استدلال أيضا على القراءة المشهورة; لأن قوله تعالى: {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ} الآية مجرور معطوف على ورقة في قوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} أي: ما يسقط من رطب ولا يابس وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنه بمنبت وغير منبت ولا معنى حينئذ للتعميم المراد في مثل قولهم ما ترك فلان من رطب ولا يابس إلا جمعه نعم لو حمل قراءة الرفع على الابتداء دون العطف على محل من ورقة لكان فيه تمسك يحتاج إلى ما ذكر من الجواب. وهو أن كل شيء فرض فهو كائن في القرآن معنى, وإن لم يكن فيه لفظا على ما ذكر في قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فحكم المقيس مذكور فيه معنى, وهو لا ينافي كون القياس مظهرا