يمكن هنا، وهي من حقوق العباد وهي تدرك بالحس أو العقل أو بالسفر أو بمحاذاة الكواكب ونحوهما، والاعتبار محمول على الاتعاظ بالقرون الخالية وقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} محمول على الحرب ولنا قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا} فيدل على الاتعاظ عبارة وعلى القياس إشارة سلمنا أن الاعتبار
ـــــــ
ذكرنا في قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ."وقوله عليه السلام:"فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا""لفظ الحديث هكذا"لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى كثرت فيهم أولاد السبايا فقاسوا"إلخ."ولأن العمل بالأصل ممكن وقد دعينا إليه قال الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} "أي: دعينا إلى العمل بالأصل, وهو الإباحة, والبراءة الأصلية, وإنما دعينا إليه بقوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} الآية, وكل ما لا يوجد في كتاب الله تعالى محرما لا يكون محرما بل يكون باقيا على الإباحة الأصلية."ولأن الحكم حق الشارع, وهو قادر على البيان القطعي فلم يجز إثباته بما فيه شبهة, وهو تصرف"الضمير يرجع إلى الإثبات أي: إثبات الحكم المذكور."في حقه تعالى; ولأنه طاعة الله تعالى"أي: الحكم الشرعي طاعة الله, والمراد بالحكم هنا المحكوم به."ولا مدخل للعقل في دركها"كالمقدرات مثل أعداد الركعات, وسائر المقادير الشرعية التي لا مدخل للعقل في دركها."بخلاف أمر الحرب وقيم المتلفات ونحوهما فإن العمل بالأصل لا يمكن هنا, وهي من حقوق العباد وهي تدرك بالحس أو العقل"فقوله بخلاف أمر الحرب جواب عن سؤال مقدر هو أن هذه الأشياء يصح فيها القياس والعمل بالرأي اتفاقا فصح ثبوت بعض الأحكام بالقياس فأجاب بالفرق المذكور."وكذا أمر القبلة"أي: يدرك بالحس أو العقل أو بالسفر أو بمحاذاة الكواكب ونحوهما,"والاعتبار محمول على الاتعاظ بالقرون الخالية"اعلم أن النص
على أنه لو صح تمسك لزوم أن لا يكون غير القرآن حجة فإن قيل الكل في القرآن إلا أنه لا يعلمه إلا النبي عليه الصلاة والسلام أو أهل الإجماع قلنا فليكن فيه حكم القياس ويعرفه المجتهد.
قوله:"أولاد السبايا"جمع سبية بمعنى مسبية يعني: أنهم اتخذوا الجواري سريات فولدن لهم أولادا غير نجباء.
قوله:"فلم يجز إثباته بما فيه شبهة"احتراز عن الإجماع إذ لا شبهة فيه, وأما خبر الواحد فهو بيان من جهة الشارع قطعي في الأصل, وإنما تمكنت الشبهة في طريق الانتقال إلينا, وهذا يخالف حقوق العبادة فإنها تثبت بما فيه شبهة كالشهادات; لعجزهم عن الإثبات بقطعي.
قوله:"بخلاف أمر الحرب"حاصله أنا نمنع العمل بالرأي والقياس فيما يمكن فيه العمل بالأصل ويكون من حقوق الله تعالى ولا تكون مدركة بالحس ولا بالعقل إذ لو أدرك به صار قطعيا.