فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 865

للمعتزلة, وما أبعد عن الحق قول من قال: إنها غير معللة بها فإن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق, وإظهار المعجزات لتصديقهم فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} وأمثال ذلك كثيرة في القرآن, ودالة على ما قلنا, وأيضا لو لم يفعل لغرض أصلا يلزم العبث. ودليلهم أنه إن فعل لغرض فإن لم يكن حصول ذلك الغرض أولى به من عدمه امتنع منه فعله, وإن كان أولى به كان مستكملا به فيكون ناقصا في ذاته, وقد قيل عليه: إنه إنما يكون مستكملا به لو كان الغرض راجعا إليه, وهنا راجع إلى العبد وأجابوا عن ذلك أن تحصيل مصلحة العبد, وعدمه إن استويا بالنسبة إليه لا يكون غرضا وداعيا له إلى الفعل; لأنه حينئذ يلزم الترجيح من غير مرجح, وإن لم يستويا بالنسبة إليه يكون فعله أولى فيلزم الاستكمال, أقول: هذا الجواب غير مرضي; لأنا لا نسلم أنه إن استويا بالنسبة إليه لا يكون غرضا وداعيا, ولا نسلم أن الترجيح من غير مرجح. لم لا يجوز أن تكون الأولوية بالنسبة إلى العباد مرجحا."وكون العلة هكذا تسمى مناسبة"أي: كونها بحيث تجلب النفع إلى العباد وتدفع الضرر عنهم يسمى مناسبة, والوصف المناسب ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا وقد قال القاضي الإمام أبو زيد الوصف المناسب ما لو عرض

العقلاء في العادات, الأولى قول من يجعل الأحكام الثابتة بالنصوص متعلقة بالحكم والمصالح. والثاني: قول من يأبى ذلك وقال القاضي الإمام أبو زيد: المناسب ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول يعني: إذا عرض على العقل أن هذا الحكم إنما شرع لأجل هذه المصلحة يكون ذلك الحكم موصلا إلى تلك المصلحة عقلا وتكون تلك المصلحة أمرا مقصودا عقلا ولا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور من أن القتل العمد العدوان وصف مناسب لوجوب القصاص, والإسكار لحرمة الخمر ونحو ذلك على ما صرح به في التقسيم المذكور لا يستقيم على هذه التفاسير إذ ليس القتل مثلا مما يجلب نفعا أو يدفع ضررا ولا هو ملائم لأفعال العقلاء ولا هو مقصود من وجوب القصاص. فلذا قال المصنف رحمه الله تعالى وقد ذكروا أن المناسب إما حقيقي, وإما إقناعي, وأحاله على الغير لما أنه لا يستقيم على تفسير المصنف رحمه الله بل على التفسير الذي ذكره الآمدي في الأحكام وهو أن المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم سواء كان المقصود جلب منفعة أو دفع مفسدة فإنه يلزم من ترتب وجوب القصاص على القتل, حصول ما هو مقصود من شرعية القصاص, وهو بقاء النفوس على ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . ويمكن أن يفسر ما ذكره أبو زيد بهذا المعنى أي: المناسب هو الذي إذا عرض على العقل أن يلزم من ترتب الحكم عليه حصول ما هو المقصود منه يقبله, وإنما عدل عنه الآمدي; لأنه إنما يصلح للناظر لا للمناظر إذ ربما يقول الخصم هذا مما لا يتلقاه عقلي بالقبول فلا يكون مناسبا بالنسبة إلي, وليس الاحتجاج بقبول الغير علي أولى من العكس ويمكن أن يقال المراد عامة العقول ولذا ذكره بلفظ الجمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت