فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 865

على العقول تلقته بالقبول وقد ذكروا أن المناسب إما حقيقي وإما إقناعي, فالحقيقي إما لمصلحة دينية كرياضة النفس وتهذيب الأخلاق فالوصف المناسب كالدلوك وشهود الشهر, والحكم وجوب الصلاة والصوم. والحكمة رياضة النفس وقهرها, أو دنيوية وهي إما ضرورية, وهي خمسة حفظ النفس, والمال والنسب, والدين, والعقل فهذه الخمسة هي الحكمة والمصلحة في شرعية القصاص والضمان وحد الزنا والجهاد وحرمة المسكرات, والوصف المناسب هو القتل العمد العدوان والسرقة والغصب مثلا والزنا وحربية الكافر والإسكار, وإما محتاج إليها كما في تزويج الصغيرة فالوصف المناسب هو الصغر, والحكم شرعية التزويج والحكمة والمصلحة كون المولية تحت الكفء, وهذه المصلحة ليست ضرورية لكنها في محل الحاجة; لأنه يمكن أن يفوت الكفء لا إلى بدل. وإما أن لا تكون ضرورية ولا محتاجا إليها بل للتحسين كحرمة القاذورات فإنها حرمت لنجاستها وعلو منصب الآدمي فلا يحسن تناولها, والإقناعي ما يتوهم أنه مناسب ثم إذا تؤمل يظهر خلافه كنجاسة الخمر لبطلان بيعها فمن حيث إنها نجسة تناسب الإدلال, والبيع يقتضي الإعزاز لكن معنى النجاسة كونها مانعة من صحة الصلاة, وهذا لا يناسب بطلان البيع.

قوله:"الأصل في النصوص عدم التعليل"اختلفوا في ذلك على أربعة مذاهب فقيل: الأصل عدم التعليل حتى يقوم دليل التعليل وقيل: الأصل التعليل بكل وصف صالح لإضافة الحكم إليه حتى يوجد مانع عن البعض وقيل الأصل التعليل بوصف لكن لا بد من دليل يميزه من بين الأوصاف, ونسب ذلك إلى الشافعي رحمه الله تعالى وقد اشتهر فيما بين أصحابه أن الأصل في الأحكام هو التعبد دون التعليل. والمختار: أن الأصل في النصوص التعليل, وأنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة ومع ذلك لا بد قبل التعليل والتمييز من دليل يدل على هذا النص الذي يراد استخراج علته معلل في الجملة; لأن الظاهر, وهو أن الأصل في النصوص التعليل إنما يصلح للدفع دون الإلزام وفي المذهب الثالث لا حاجة إلى ذلك بل يكفي أن الأصل في النصوص التعليل.

وجه الأول أن النص موجب للحكم بصيغته لا بعلته إذ العلل الشرعية ليست من مدلولات النص, وبالتعليل ينتقل الحكم من الصيغة إلى العلة التي هي من الصيغة بمنزلة المجاز من الحقيقة فلا يصار إليه إلا بدليل, وأيضا التعليل إما بجميع الأوصاف وهو محال; لأن المقصود هو التعدية, ويمتنع وجود جميع أوصاف الأصل في الفرع ضرورة التغاير والتمايز في الجملة, وإما بالبعض وهو أيضا باطل; لأن كل وصف عينه المجتهد محتمل للعلية وعدمها, والحكم لا يثبت بالاحتمال فلا بد من دليل يرجح البعض. فإن قيل هاهنا قسم آخر هو التعليل بكل وصف قلنا إما أن يراد كل وصف على الإطلاق فيستلزم تعدية الحكم إلى جميع المحال إذ ما من شيئين إلا وبينهما مشاركة ما في وصف ما, أو يراد كل وصف صالح للعلية, وإضافة الحكم فيفضي إلى التناقض أي: التعدية وعدمها; لأن بعض الأوصاف متعد وبعضها قاصر على ما سيجيء; فلذا لم يتعرض هاهنا لهذا القسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت