ومنها التعليل بالنفي كما ذكرنا في شهادة النساء والأخ فإنه يمكن الوجود بعلة أخرى إلا أن يثبت بالإجماع أن له علة واحدة فقط كقول محمد في ولد الغصب إنه غير مضمون؛ لأنه لم يغصب الولد ومنها الاحتجاج بتعارض الأشباه كقول زفر إن غسل المرافق ليس بفرض؛ لأن من الغايات ما يدخل وما لا يدخل فلا يدخل بالشك فإن هذا جهل محض؛ لأنه لم يعلم أن هذه من أي القسمين. باب المعارضة والترجيح إذا ورد دليلان يقتضي أحدهم عدم ما يقتضيه
ـــــــ
عنها وإن كان العمل بالأقوى واجبا لكن لا يسمى هذا ترجيحا فالترجيح إنما يكون بعد المعارضة فيختص بالقسم الثاني
الوجود بعد الحدوث وربما يكون الشيء موجبا لحدوث الشيء دون استمراره واعترض بأنه إن أريد عدم الدلالة بطريق القطع فلا نزاع وإن أريد بطريق الظن فممنوع ودعوى الضرورة والظهور في محل النزاع غير مسموع خصوصا فيما يدعي الخصم بداهة نقيضه وأيضا لا ندعي أن موجب الحكم يدل على البقاء بل إن سبق الوجود مع عدم ظن المنافي المدافع يدل على البقاء بمعنى أنه يفيد ظن البقاء والظن واجب الاتباع وبهذا يظهر أن قوله وكلامنا فيما لا دليل على البقاء غير مستقيم; لأن كلام الخصم ليس في ذلك وكيف يحكم بالشيء بدون دليل وإنما الكلام في أن سبق الوجود مع عدم ظن المنافي والمدافع هل هو دليل على البقاء.
قوله:"والصلح على الإنكار"أي مع إنكار المدعى عليه لا يصح عند الشافعي رحمه الله تعالى; لأن كون الأصل براءة الذمة حجة على المدعي بمنزلة اليمين فإن قيل هذا حجة لدفع حق المدعي فينبغي أن يكون مسموعا بالاتفاق قلنا بل لإلزام المدعي وإثبات براءة ذمة المدعى عليه.
قوله:"ومنها التعليل بالنفي"كما يقال لا يثبت النكاح بشهادة النساء مع الرجال; لأنه ليس بمال كالحد وكما يقال الأخ لا يعتق على أخيه عند الدخول في ملكه لعدم البعضية كابن العم فإن عدم المالية لا يوجب الحكم بعدم الثبوت بشهادة النساء مع الرجال, وكذا عدم البعضية لا يوجب الحكم بعدم العتق لجواز أن يتحقق كل منهما بعلة أخرى اللهم إلا إذا ثبت بالإجماع أن العلة واحدة فقط فحينئذ يلزم من عدمها عدم الحكم كما يقال ولد المغصوب لا يضمن; لأنه ليس بمغصوب إذ لا يصح أن يثبت الضمان بعلة أخرى للإجماع على أن علة الضمان هاهنا هو الغصب لا غير. واعلم أنه لا قائل بأن التعليل بالنفي إحدى الحجج الشرعية بمنزلة الاستصحاب حتى يعد في هذا الفصل بل هو تمسك بقياس فاسد بمنزلة الأقيسة الطردية وغيرها وبمنزلة التمسكات الفاسدة بالكتاب والسنة, وأما إذا ثبت بنص أو إجماع أن العلة واحدة فهو استدلال صحيح مرجعه إلى النص أو الإجماع كما إذا ثبت بين أمرين تلازم أو تناف فيستدل من وجود الملزوم على وجود اللازم أو من انتفاء اللازم على انتفاء الملزوم أو من ثبوت أحد المتنافيين على انتفاء الآخر, وكذا الكلام في تعارض الأشباه فإنه ترجيح فاسد لأحد القياسين لا حجة برأسها.
قوله:"باب المعارضة والترجيح"لما كانت الأدلة الظنية قد تتعارض, فلا يمكن إثبات الأحكام بها إلا بالترجيح ذلك بمعرفة جهاته عقب مباحث الأدلة بمباحث التعارض والترجيح تتميما للمقصود,