الآخر في محل واحد في زمان واحد فإن تساويا قوة، أو يكون أحدهما أقوى بوصف هو تابع فبينهما المعارضة والقوة المذكورة رجحان، وإن كان أقوى بما هو غير تابع لا يسمى رجحانا، فلا يقال النص راجح على القياس من قوله عليه الصلاة والسلام:"زن وأرجح". والمراد الفضل القليل لئلا يلزم الربا في قضاء الديون فيجعل ذلك عفوا؛ والعمل بالأقوى وترك الآخر واجب في الصورتين وإذا تساويا قوة.
ـــــــ
وتعارض الدليلين كونهما بحيث يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محل واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة, أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع. واحترز باتحاد المحل عما يقتضي حل المنكوحة وحرمة أمها وباتحاد الزمان عن مثل حل وطء المنكوحة قبل الحيض وحرمته عند الحيض وبالقيد الأخير عما إذا كان أحدهما أقوى بالذات كالنص والقياس إذ لا تعارض بينهما. ولقائل أن يقول: إن أريد اقتضاء أحدهما عدم ما يقتضيه الآخر بعينه حتى يكون الإيجاب واردا على ما ورد عليه النفي, فلا حاجة إلى اشتراط اتحاد المحل والزمان لتغاير حل المنكوحة وحل أمها, وكذا الحل قبل الحيض, وعنده وإلا فلا بد من اشتراط أمور أخرى مثل اتحاد المكان والشرط ونحو ذلك مما لا بد منه في تحقق التناقض. وجوابه أن اشتراط اتحاد المحل والزمان زيادة توضيح وتنصيص على ما هو ملاك الأمر في باب التناقض, فإنه كثيرا ما يندفع الترجيح باختلاف المحل والزمان, ثم التعارض لا يقع بين القطعيين لامتناع وقوع المتنافيين, ولا يتصور الترجيح; لأنه فرع التفاوت في احتمال النقيض, فلا يكون إلا بين الظنيين. وفي قوله: فإن تساويا قوة إشارة إلى جواز تحقق التعارض من غير ترجيح على ما هو الصحيح إذ لا مانع من ذلك والحكم حينئذ هو التوقف وجعل الدليلين بمنزلة العدم لا يلزم اجتماع النقيضين, أو ارتفاعهما, أو التحكم كما لا يلزم شيء من ذلك عند عدم شيء من الدليلين.
والترجيح في اللغة جعل الشيء راجحا أي فاضلا زائدا ويطلق مجازا على اعتقاد الرجحان. وفي الاصطلاح بيان الرجحان أي القوة التي لأحد المتعارضين على الآخر, وهذا معنى قولهم: هو اقتران الدليل الظني بأمر يقوى به على معارضه واشترط أن يكون تابعا حتى لو قوي أحدهما بما هو غير تابع له لا يكون رجحانا, فلا يقال: النص راجح على القياس لعدم التعارض, وهذا مأخوذ من معناه اللغوي, وهو إظهار زيادة أحد المثلين على الآخر وصفا لا أصلا من قولك رجحت الوزن إذا زدت جانب الموزون حتى مالت كفته, فلا بد من قيام التماثل أولا, ثم ثبوت الزيادة بما هو بمنزلة التابع والوصف بحيث لا تقوم به المماثلة ابتداء, ولا يدخل تحت الوزن منفردا عن المزيد عليه قصدا في العادة. قال الإمام السرخسي رحمه الله تعالى: لا تسمى زيادة درهم على العشرة في أحد الجانبين رجحانا; لأن المماثلة تقوم به لا أصلا وتسمى زيادة الحبة ونحوها رجحانا; لأن المماثلة لا تقوم بها عادة, وهذا من قوله عليه الصلاة والسلام للوزان حين اشترى سراويل بدرهمين:"زن وأرجح, فإنا معاشر الأنبياء هكذا نزن", فمعنى"ارجح"زد عليه فضلا قليلا يكون تابعا له بمنزلة الأوصاف كزيادة الجودة لا قدرا يقصد بالوزن عادة للزوم الربا في قضاء الديون إذ لا يجوز أن يكون هبة لبطلان هبة المشاع فظهر أن جعله بمنزلة الجودة أولى من جعله في حكم العدم