فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 865

ناسخا للإباحة الأصلية ثم المبيح يكون ناسخا للمحرم فيتكرر النسخ, فلا يثبت التكرار بالشك وفيه نظر"لأن الإباحة الأصلية ليست حكما شرعيا, فلا تكون الحرمة بعده نسخا". وبيانه أنا لا نسلم أن المحرم لو كان متقدما لكان ناسخا للإباحة فإنه إنما كان ناسخا لها إن قد ورد في الزمان الماضي دليل شرعي دال على إباحة جميع الأشياء فيلزم حينئذ كون المحرم ناسخا لذلك المبيح لكن ورد الدليل المذكور غير مسلم, فلا يكون المحرم ناسخا لذلك المبيح لما عرفت من تعريف النسخ ويمكن إتمام الدليل المذكور على وجه لا يرد عليه هذا النظر, وهو أنه إذا انتفع المكلف بشيء قبل ورود ما يحرمه, أو يبيحه فإنه لا يعاقب بالانتفاع به لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} لقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فإن هذا الإخبار يدل على أن الإنسان إن انتفع بما في الأرض قبل ورود محرمه, أو مبيحه لا يعاقب ثم لا شك أنه إذا ورد المحرم فقد غير الأمر المذكور, وهو عدم العقاب على الانتفاع.

ثم إذا ورد المبيح فقد نسخ ذلك المحرم فيلزم منا تغييران وأما على العكس فلا يلزم إلا تغيير واحد فاندفع الإيراد المذكور بهذا التقرير فتقرر الدليل بهذا الطريق, أو نقول عنينا بتكرر النسخ هذا المعنى لا النسخ بالتفسير الذي ذكرتم. وقد قال فخر الإسلام رحمه الله تعالى هذا أي تكرر النسخ بناء على قول من جعل الإباحة أصلا ولسنا نقول بهذا في

قوله:"وأقول لا تعارض هنا"وذكر المصنف رحمه الله تعالى في دفع التعارض أن المراد باللغو في الآيتين هو الخالي عن القصد وبالمؤاخذة المؤاخذة في الآخرة والغموس داخل في المكسوبة لا في المعقودة, ولا في اللغو فالآية الأولى أوجبت المؤاخذة على الغموس والثانية لم يتعرض لها لا نفيا, ولا إثباتا, فلا تعارض لها أصلا, وهذا قريب مما ذكره الشيخ أبو منصور رحمه الله حيث قال نفى المؤاخذة عن اللغو في الآية الأولى وأثبتها في الغموس والمراد منها الإثم ونفى المؤاخذة في الآية الثانية عن اللغو وأثبتها في المعقودة وفسر المؤاخذة هاهنا بالكفارة فدل على أن المؤاخذة في المعقودة بالكفارة وفي الغموس بالإثم, وفي اللغو لا مؤاخذة أصلا إلا أن المصنف رحمه الله تعالى حمل المؤاخذة الثانية أيضا على الإثم بناء على أن دار المؤاخذة إنما هي دار الآخرة. فإن قيل: قوله: {فَكَفَّارَتُهُ} تفسير للمؤاخذة والمؤاخذة التي هي الكفارة إنما هي في الدنيا والمختص بالآخرة إنما هي المؤاخذة التي هي العقاب وجزاء الإثم أجيب بالمنع بل هو تنبيه على طريق دفع المؤاخذة في الآخرة أي إذا حصل الإثم باليمين المنعقدة فوجه دفعه وستره إطعام عشرة مساكين إلى آخره. واعلم أن اللائق بنظم الكلام عند قولنا:"لا يؤاخذكم الله"بكذا ولكن يؤاخذكم بكذا أن يكون الثاني مقابلا للأول من غير واسطة بينهما فلهذا ذهب الجمهور إلى إدراك الغموس في اللغو, أو فيما عقدتم, ولا وجه لجعل الكلام في الآية الثانية خلوا عن التعرض للغموس. فإن قيل: قد علم حكمها في الآية السابقة قلنا, وكذلك اللغو.

والتحقيق أن إطلاق المؤاخذة على الدنيوية والأخروية ليس بحسب الاشتراك اللفظي إذ لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت