فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 865

على عدم الترجيح بكثرة الدليل فالرواة إذا لم يبلغوا حد التواتر لم تحصل هيئة اجتماعية أما إذا بلغوا فقد حصل هيئة اجتماعية تمنع التوافق على الكذب وقبل بلوغ هذا الحد يحتمل كذب كل واحد منهم. واعلم أنا نرجح بالكثرة في بعض المواضع كالترجيح بكثرة الأصول وكترجيح الصحة على الفساد بالكثرة في صوم غير مبيت, ولا نرجح بالكثرة في بعض المواضع كما لم نرجح بكثرة الأدلة ولنا في ذلك فرق دقيق. وهو أن الكثرة معتبرة في كل موضع يحصل بها هيئة اجتماعية ويكون الحكم منوطا بالمجموع من حيث هو المجموع وأنها غير معتبرة في كل موضع لا يحصل بالكثرة هيئة اجتماعية ويكون الحكم منوطا بكل واحد منها لا بالمجموع واعتبر هذا بالشاهد فإن كل أمر منوط بالكثرة كحمل الأثقال والحروب ونحوهما فإن الأكثر فيه راجح على الأقل وكل أمر منوط بكل واحد واحد كالمصارعة مثلا فإن الكثير لا يغلب القليل فيها بل رب واحد قوي يغلب الآلاف من الضعاف فكثرة الأصول من قبيل الأول; لأنها دليل قوة تأثير الوصف فهي راجعة إلى القوة فتعتبر وكثرة الأدلة من قبيل الثاني; لأن كل واحد دليل هو مؤثر بنفسه بلا مدخل لوجود الآخر أصلا فإن الحكم منوط بكل واحد لا بالمجموع من حيث هو المجموع بخلاف الكثرة التي هي في الصوم فإن هذا الحكم تعلق بالأكثر من حيث هو الأكثر لا بكل واحد, من

يتحد به ليفيد القوة, ثم بين ذلك في العلل الحسية للأحكام الشرعية التي وقع الإجماع على الترجيح بكثرة العلة بمعنى أن يسقط الآخر بالكلية وذلك كما في مسألة اختلاف عدد جراحات الجانين على مجروح واحد مات من جميعها, فإن الدية عليهما نصفان. فإن قيل: هب أنه لم تعتبر الكثرة مرجحة حتى يلزم الإسقاط لكن لم لم تعتبر موجبة لتوزيع الدية على الجراحات كما تعدد في الجنايات. قلنا: لأن الإنسان قد يموت من جراحة واحدة, ولا يموت من جراحات كثيرة, فلم يتعد بعددها وجعل الجميع بمنزلة جراحة واحدة, وكما في مسألة الشفعة وهي دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها وللثالث سدسها فباع صاحب النصف نصفه وطلب الآخران الشفعة لم يترجح جانب صاحب الثلث بحيث ينفرد باستحقاق الشفعة ويسقط صاحب السدس; لأن كل جزء من أجزاء سهميهما علة مستقلة في استحقاق شفعة جميع المبيع وليس في جانب صاحب الثلث إلا كثرة العلة وهي لا تصلح للترجيح فعندنا يكون نصف المبيع بينهما أنصافا لترتب الحكم على العلة المتحققة في كل جانب, وعند الشافعي رحمه الله تعالى أثلاثا ثلثه لصاحب السدس وثلث لصاحب الثلث; لأن حق الشفعة من مرافق الملك أي منافعه وثمراته كالثمرة للشجرة والولد للحيوان المشترك فيقسم بقدر الملك. والجواب أن الدار المشفوعة علة فاعلية تثبت بها الشفعة لا علة مادية يتولد منها المعلول بمنزلة الشجر والحيوان, وقد ثبت في علم الكلام أن تأثير العلة الفاعلية في المعلول ليس بطريق التوليد بل بإيجاد الله تعالى إياه عقيبه, فلا يكون ترتب استحقاق الشفعة على الملك كترتب الثمر على الشجر والولد على الحيوان, ثم الشارع قد جعل ممنوع الملك علة للحكم فتقسيم الحكم على أجزاء العلة وجعل كل جزء من العلة علة لجزء من المعلول نصب للشرع بالرأي, وهو فاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت