الله تعالى كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد لقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية فسمى عمل كليهما حكما وعلما لكن سليمان عليه الصلاة والسلام خص بإصابة الحق المطلوب وتنصيف الأجر يدل على هذا أيضا وأما قوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ} فإن الحكم في الأسارى من قبل كان إما القتل، أو المن ورخص النبي عليه الصلاة والسلام بالفداء أيضا، فلولا الكتاب السابق بإباحة الفداء، وهو الرخصة لمسكم العذاب على ترك العزيمة.
ـــــــ
مصيب بالنظر إلى الحكم بل بالنظر إلى الدليل بمعنى أنه قد أقام الدليل كما هو حقه مستجمعا لشرائطه وأركانه فيكون آتيا بما كلف به من الاعتبار وليس في وسعه إقامة البرهان القطعي في الشرعيات حتى يكون مدلوله قطعيا ألبتة"لقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية فسمى عمل كليهما حكما وعلما لكن سليمان عليه الصلاة والسلام خص بإصابة الحق المطلوب وتنصيف الأجر يدل على هذا أيضا"أي على أنه مصيب من وجه دون وجه آخر."وأما قوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ} فإن الحكم في الأسارى من قبل كان إما القتل, أو المن ورخص النبي عليه الصلاة والسلام بالفداء أيضا, فلولا الكتاب السابق بإباحة الفداء, وهو الرخصة لمسكم العذاب على ترك العزيمة"فنزول العذاب كان واجبا على تقدير عدم سبق الكتاب لكن سبق الكتاب كان واقعا, فلا يستحقون العذاب واقعا بسبب الخطأ في الاجتهاد بعد سبق الكتاب.
الوسع والطاقة ولذلك وصف الله تعالى اجتهاد داود عليه الصلاة والسلام بالحكم والعلم في مقام الثناء عليه والامتنان مع كونه خطأ بدلالة سوق الكلام, وفي تخصيص سليمان عليه الصلاة والسلام بإصابة الحق, فلو كان خطأ من كل وجه لما كان حكما وعلما بل جهلا وخطأ. وقد يقال: إنه لا دلالة في إيتاء الحكم والعلم على أن اجتهاده في تلك الحادثة حكم وعلم فيجاب بأنه لو لم يكن اجتهاده فيها حكما وعلما لما كان لذكرهما في هذا المقام فائدة إذ لا يشتبه على أحد أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوتي علما وحكما في الجملة.
قوله:"وتنصيف الأجر"أي تنصيف أجر المخطئ في الاجتهاد بقوله عليه الصلاة والسلام:"إن أصاب فله أجران, وإن أخطأ فله أجر واحد"1 يدل على أنه مخطئ انتهاء لا ابتداء, فإن الأجر إنما يكون على الصواب, فلما كان ثوابه نصف ثواب المصيب كان صوابه أيضا كذلك توزيعا للأجر على الاستحقاق, وهذا ضعيف; لأن أجر المخطئ, إنما هو على كده في الاجتهاد وامتثال الأمر.
قوله:"وأما قوله: عليه الصلاة والسلام"القائلون بأن المجتهد المخطئ مخطئ ابتداء وانتهاء تمسكوا بوجهين: أحدهما: إطلاق الخطأ في قوله: عليه الصلاة والسلام وإن أخطأت فلك حسنة,
ـــــــ
1 رواه البخاري في كتاب الاعتصام باب 21 . مسلم في كتاب الأقضية حديث 15 . أبو داود في كتاب الأقضية باب 2 . الترمذي في كتاب الأحكام باب 2 . النسائي في كتاب القضاة باب 3 . ابن ماجه في كتاب الأحكام باب 3 . أحمد في مسنده 2/187