ولما قد أحسن بفتور الهمم الذي قد صار فيزمانا, تلقى أبوعبدالله محمد بن أبي نصر الحميدي لحظ متن الصحيحين, تسهيلا لاقتباس الفوائد على المتقاعد, لأن اختصار اللفظ صديق الحفظ, فصار كتابه لقدره في نفسه مقدما على جميع جنسه, فتعلق به من قد بقي عنده من الرغبة في النقل رمق, ومعلوم أن الصحيح بالإضافة إلى سائر المنقول كعين الإنسان, بل كإنسان العين
وكان قد سألني من إثر سؤاله أمارة همتي شرح مشكله, فأنعمت له وظننت الأمر سهلا, فإذا نيل سهيل أسهل, لما قد حوت أحاديثه من فنون المشكلات ودقائق المعضلات
وكان الحميدي قد جمع كتابا أشار فيه إلى تفسير الحروف الغريبة في الصحيحين, من حيث اللغة (1) , ومعلوم أن شرح المعنى أمس, وكشف الإشكال المعنوي أجدر بالبيان أحق, فلما رأيت طرق شرحه شاسعة, شمرت عن ساق الجد, مستعينا بالله عزوجل رجاء الثواب في إسعاف الطالب, وإلى الله سبحانه أرغب في تلقيح الفهم, وتصحيح القصد, و تعجيل النفع, إنه ولي ذلك والقادر عليه
من المعلوم أنه قد يأتي الحديث وأكثره ظاهر لايحتاج إلى شرح, وإنما يشرح ما يشكل, وقد يقع على الحديث اعتراض فيفتقر إلى جواب, وذكر ذلك متعين ,وقد يتردد الحديث في مسانيد فنحن نفسره في أول ما يلقانا, ثم نحيل عليه ما يأتي بعد ذلك مثل قوله: ( نهى عن المحاقلة )
وقد أجرينا على الإختصار مع تحصيل المقصود, ونحن نرجو أن يستغني الناظر في كتابنا هذا بحل مشاكل
المشروح عن النظر في كتاب, أو سؤال عالم, وهذا حين شروعنا فيما انتدبنا له, والله الموفق
قال أبوعبدالله الحميدي:في خطبة كتابه: لما خيف اختلاط الصحيح بالسقيم انتدب جماعة الى التأليف كمالك بن أنس و ابن جريج وسفيان
(1) - طبع باسم ( تفسير غريب ما في الصحيحين ) في مكتبة السنة 1415هـ في مجلد بتحقيق ( زبيدة محمد سعد عبدالعزيز)