محيي العدل في العالمين, خلد الله دولته, فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل, وأبطلت رداء الكسل, و ألفت الدواة, وأصلحت القلم, وقلت: هذا أوان الشد, فاشتدي زيم, وجعلت الفراغ أهم مطلب, وإذا أراد الله أمرا هيأ له السبب, وشرعت في إتمامه مسابقا, ومن العجب أن السكيت يروم أن يجيء سابقا, ونصبت نفسي غرضا للسهام وجعلتها مظنة لأقوال اللوام, لأن المآخذ إذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب, والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب, الذي تكررت مطالعته وتنقيحه, وأجيد تأليفه وتصحيحه, فهي بغيره أولى, وبه أحرى, على أني مقر بالتقصير, فلا أقول أن الغلط سهو جرى به القلم, بل أعترف بأن ما أجهل أكثر مما أعلم
وقد سميته إسما يناسب معناه, وهو: ( الكامل في التاريخ ) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله موّفق من توكل عليه، القيّوم الذي ملكوت كلّ شيء بيديه، حمدًا طيّبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه, وعظيم سلطانه، و أشهد أن لا إله إلاّ الله, وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله, أرسله رحمةً للعالمين وخاتمًا للنّبيّين, وحرزًا للأميّين, وإمامًا للمتّقين, بأوضح دليل, وأفصح تنزيل, وأفسح سبيل, وأنفس تبيان, وأبدع برهان, اللهمّ آته الوسيلة و ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه الأوّلون والآخرون، صلّى الله عليه وعلى آله الطّيبين, وصحابته المجاهدين, وأزواجه أمّهات المؤمنين.
(1) - طبع في دار الكتب العلمية 1998 في ( 11 ) مجلدا بتحقيق ( عبدالله القاضي ) و ( محمد يوسف الدقاق )