وبعد: فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي ثم الإشبيلي رحمة الله عليه قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكام أفعل المكلفين علما نافعا, وأجرا قائما زكا به عمله, ونجح فيه سعيه, وظهر عليه ما صلح فيه من نيته, وصح من طويته, فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر, و تلقي بالقبول, وحق له ذلك, لجودة تصنيفه, واقتصاده, وجودة اختياره, فلقد أحسن فيه ما شاء, وأبدع فوق ما أراد, وأربى على الغاية وزاد, ودل منه على حفظ وإتقان, وعلم وفهم, واطلاع و اتساع, فلذلك لا تجد أحدا ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم الشرعية إلا والكتاب المذكور عنده, أو نفسه معلقة به
فقد حداهم حسن تأليفه على الإكباب عليه, وإيثاره, وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث من فقهاء ومتكلمين وأصوليين, فإنهم الذين قد قنعوا به, ولم يبغوا سواه, حتى لربما جر عليهم جهالات.
منها اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله, فرواها وتفقد أسانيدها, وتعرف أحوال رواتها فعلم بذلك صحة الصحيح, وسقم السقيم, وحسن الحسن, فاته كثير مما احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث, التي لا تحتوي إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه
وهذا ممن اعتقده غلط, بل إتقان كتاب من كتب الحديث, وتعرفه كما يجب, يحصل له أكثر مما يحصل له الكتاب المذكور من صناعة النقل, فإنه ما من حديث يبحث عنه حق البحث, إلا ويجتمع له من أطرافه وضم ما في معناه إليه, و التنبه لما يعارضه في جميع ما يقتضيه, أو بعضه, أو ما يعاضده, ومعرفة أحوال نقلته, وتواريخهم ما يفتح له في الألف من الأحاديث.
وكذلك يجر عليهم أيضا اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلا لا بد فيه من البخاري, وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم, وما ذكره من عند أبي داود, ربما ليس هو عند الترمذي, أو النسائي, ولذلك ذكره من عند أبي داود, وما علم أنه ربما لم يخل منه كتاب أيضا.