وإني سأمثل واحدا منهم, وأتكلم عليه ليستدرك به المرء من هو مثله, كأنا جئنا إلى حماد بن سلمة فمثلناه وقلنا لمن ذب عمن ترك حديثه لِمَ استحق حماد بن سلمة ترك حديثه ؟, وكان رحمه الله ممن رحل وكتب, وجمع وصنف, وحفظ وذاكر, ولزم الدين والورع الخفي, والعبادة الدائمة والصلابة في السنة, والطبق على أهل البدع, ولم يشك عوام البصرة أنه مستجاب الدعوة, ولم بالبصرة في زمانه أحد ممن نسب إلى العلم يعد من البدلاء غيره, فمن اجتمع فيه هذه الخصال لم استحق مجانبة روايته, فإن قال: لمخالفته الأقران فيما روى في الأحايين,
يقال له: وهل في الدنيا محدث ثقة لم يخالف الأقران في بعض ما روى, فإن استحق إنسان مجانبة جميع ما روى بمخالفته الأقران في بعض ما يروي لاستحق كل محدث من الأئمة المرضيين أن يترك حديثه لمخالفتهم أقرانهم في بعض ما رووا, فإن قال: كان حماد يخطىء, يقال له: وفي الدنيا أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرى عن الخطأ, ولو جاز ترك حديث من أخطأ, لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين لأنهم لم يكونوا بمعصومين
فإن قال: حماد قد كثر خطؤه يقال له: إن الكثرة اسم يشتمل على معان شتى, ولا يستحق الإنسان ترك روايته حتى بكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه, فإذا فحش ذلك منه وغلب على صوابه استحق مجانبة روايته, وأما من كثر خطؤه ولم يغلب على صوابه فهو مقبول الرواية فيما لم يخطىء فيه, واستحق مجانية ما أخطأ فيه فقط, مثل شريك وهشيم وأبي بكر بن عياش وأضرابهم, كانوا يخطئون فيكثرون, فروى عنهم واحتج بهم في كتابه وحماد واحد من هؤلاء
فإن قال: كان حماد يدلس, يقال له: فإن قتادة وأبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وابن جريج والأعمش والثوري وهشيما كانوا يدلسون واحتججت بروايتهم, فإن أوجب تدليس حماد في روايته ترك حديثه أوجب تدليس هؤلاء الأئمة ترك حديثهم