فإذا انتهينا إلى مفتتح سني الهجرة, وهي التي عليها التاريخ إلى اليوم, ذكرنا ما كان في كل سنة من الحوادث المستحسنة والمهمة, وما لا بأس بذكره, ونضرب عن ما لا طائل في الإطالة به تحته, مما يضيع الزمان بكتابته, إما لعدم صحته, أو لفقد فائدته, فإن خلقا من المؤرخين ملأوا كتبهم بما يرغب عن ذكره, تارة من المبتدآت البعيدة الصحة, المستهجن ذكرها عند ذوي العقول, كما قد ذكر في مبتدأ وهب بن منبه, وغيره من الأخبار, التي تجري مجرى الخرافات, وتارة يذكر حوادث لا معنى لها, ولا فائدة, وتارة يذكر أحوال ملوك يذكر عنهم شرب الخمر, وفعل الفواحش, وتصحيح ذلك عنهم عزيز, فإن صح كان ذلك إشاعة الفواحش, وإن لم يصح كان في مرتبة القذف, وهو في العاجل يهون على أبناء الجنس ما هم فيه من الزلل, على أن الأخبار لا تسلم من بعض هذا
ومن أعظم خطأ السلاطين والأمراء نظرهم في سياسات متقدميهم, وعملهم بمقتضاها, من غير نظر فيما ورد به الشرع, ومن خطأهم تسمية أفعالهم الخارجة عن الشرع سياسة بأن الشرع هو السياسة, لا عمل السلطان برأيه وهواه, ووجه خطأهم في ذلك أن مضمون قولهم يقتضي أن الشرع لم يرد بما يكفي في السياسة, فاحتجنا إلى تتمة من رأينا, فهم يقتلون من لا يجوز قتله, ويفعلون ما لا يحل فعله, ويسمون ذلك سياسة
فصل: واعلم أن في ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة, أهمها فائدتان, أحدهما أنه إن ذكرت سيرة حازم, ووصفت عاقبة حاله, علمت حسن التدبير, واستعمال الحزم, وإن ذكرت سيرته مفرط, ووصفت عاقبته, خويت من التفريط, فيتأدب المسلط, ويعتبر المتذكر, ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول, ويكون روضة للمتنزه في المنقول
والثانية أن يطلع بذلك على عجائب الأمور, وتقلبات الزمن, وتصاريف القدر, والنفس تجد راحة بسماع الأخبار