ولمَّا كان ثابت السّنن والآثار، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار، ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها، ولزم الحثّ على ما عاد بعمارة سبيلها، وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها، في كتب الأحاديث، والمثابرة على جمعها، من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظروا نظر السَّلف الماضين في حال الرَّاوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضي، واستنباط ما في السنن من الأحكام، وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه، و اقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه، فهم أغمار، وحملة أسفار، قد تحمَّلوا المشاق الشديدة، وسافروا إلى البلدان البعيدة، وهان عليهم الدَّأب والكلال.
[.... إلى أن قال: ] ..وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى، وتوفيقه في هذا الكتاب، ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقة فاقة إلى حفظه ودراسته من بيان أصول علم الحديث وشرائطه.وأشرح من مذاهب سلف الرُّواة، والنَّقلة في ذلك ما يكثر نفعه، وتعمُّ فائدته، ويستدل به على فضل المحدِّثين، واجتهادهم في حفظ الدِّين، ونفيهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين ببيان الأصول من الجرح والتَّعديل، والتَّصحيح والتَّعليل، وأقوال الحفَّاظ في مراعاة الألفاظ، و حكم التَّدليس، والاحتجاج بالمراسيل، والنَّقل عن أهل الغفلة، ومن لا يضبط الرِّواية، وذكر من يرغب عن السَّماع منه لسوء مذهبه، والعرض على الرَّاوي