أما بعد: فإن الله جل وعز بعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتما لأنبيائه الذين كان بعثهم قبله صلوات الله عليه وعليهم وسلامه, ورحمته وبركاته, وأنزل عليه كتابا خاتما لكتبه التي كان أنزلها قبله, ومهيمنا عليها, ومصدقا لها, وأمر فيها من آمن به بترك رفع أصواتهم فوق صوته, وترك التقدم بين يدي أمره, وأعلمهم أنه قد تولاه فيما ينطق به بقوله عز وجل: { وما )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3\4) , وأمرهم بالأخذ بما آتاهم به والانتهاء عما نهاهم عنه بقوله عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ونهاهم أن يكونوا معه كبعضهم مع بعض بقوله تعالى: َلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ...) (الحجرات:2) , وحذرهم في فعلهم ذلك إن فعلوه حبوط أعمالهم وهم لا يشعرون, وحذر مع ذلك من خالف أمره بقوله عز وجل: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63)
قال أبو جعفر: وإني نظرت في الآثار المروية عنه - صلى الله عليه وسلم - بالأسانيد المقبولة, التي نقلها ذوو التثبت فيها, والأمانة عليها, و حسن الأداء لها, فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها, والعلم بما فيها عن أكثر الناس, فمال قلبي إلى تأملها, وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها, ومن استخراج الأحكام التي فيها, ومن نفي الإحالات عنها, وأن أجعل ذلك أبوابا, أذكر في كل باب منها ما يهب الله عز وجل لي من ذلك منها, حتى آتي فيما قدرت عليه منها كذلك, ملتمسا ثواب الله عز وجل عليه