وبعد: فقد قال لي أستاذي وشيخي متعني الله والمسلمين بحياته, الشيخ الإمام العلامة المتقن جمال الدين مفتي المسلمين مفيد الطالبين, أبو المحاسن يوسف بن العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام العلامة صلاح الدين أبي البركات موسى الحنفي, عامله الله بلطفه الجلي والخفي
لما طالعت كتاب ( مشكل الآثار ) للإمام الحافظ أبي جعفر أحد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي, المعروف بالطحاوي, سقى الله ثراه سجال الرحمة والرضوان وجدته مطولا, ورأيت همتي قاصرة, وهمومي متكاثرة, والكتاب يحتوي على معان حسنة عزيزة, وفوائد جمة غزيرة, ويشتمل على فنون من الفقه, وضروب من العلم, دعاه إلى ذلك ما ذك في خطبة كتابه قال:
إني نظرت في الآثار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأسانيد المقبولة, التي نقلها ذوو التثبت فيها, والأمانة عليها, وحسن الأداء لها, فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها, والعلم بما فيها عن أكثر الناس, فمال قلبي إلى تأملها, وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها, ومن استخراج الأحكام التي فيها, ومن نفي الإحالات عنها, وأن أجعل ذلك أبوابا, أذكر في كل باب منها ما يهب الله لي من ذلك فيها, حين أبين ما قدرت عليه منها كذلك, ملتمسا ثواب الله عز وجل
ولقد أثابه الله على ذلك ثوابا جزيلا, كان تطويل كتابه بكثرة تطريقه الأحاديث, وتدقيق الكلام فيه حرصا على التناهي في البيان, على غير ترتيب ونظام, لم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله, ولا إلحاق نوع بجنسه, فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره, وكذلك أحاديث الصلاة والصيام, وسائر الشرائع والأحكام, تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد, فصارت بذلك فوائده ولطائفه متشرة, مشتتة فيه, يعسر استخراجها منه إن أراد طالب أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه, إلا بعد تصفح جميع الكتاب, وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر إلى تحفظ جميع الأبواب