واعلم أنه سيبقى بعد كتابي أشياء لم تقع لي ولا وقفتُ عليها, لأن كلام العرب لا ينحصر. ولقد صدق رحمه اللَّه فإن الذي فَاتَه من الغريب كثيرٌ، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
وكان في زماننا أيضا معاصرُ أبي موسى الإمامُ أبو الفرج عبدُ الرحمن بن علي ابن الجوْزِي البغدادي رحمه اللَّه، كان مُتَفنّنًا في علومه, مُتَنَوِّعا في معارفه، فاضلا، لكنه كان يَغْلِبُ عليه الوعظ, وقد صَنَّفَ كتابا في غريب الحديث خاصَّة (1) , نَهَج فيه طريق الهَرَوي في كتابه، وسلك فيه محَجَّته مجردا من غريب القرآن, وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مُصَنَّفي الغريب: قال: فَقَوِيت الظُّنون أنه لم يَبْقَ شيء، وإذًا قد فاتَهُمْ أشْياء فرأيت أن أبذلَ الوُسع في جمع غريب حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتابعيهم، وأرجو ألاّ يَشذَّ عني مهِمّ من ذلك، وأن يُغْنِيَ كتابي عن جميع ما صُنّف في ذلك. هذا قوله.
ولقد تتبعت كتابه فرأيتُه مخْتَصرًا من كتاب الهروي، مُنْتَزَعا من أبوابه شيئًا فشيئًا ووَضعًا فوَضْعًا، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشّاذّةَ واللفظَة الفاذّة. ولقد قايَسْتُ مازاد في كتابه على ما أخَذَه من كتاب الهروي فلم يكن إلا جزءًا يسيرا من أجزاءٍ كثيرة.
وأما أبو موسى الأصفهاني رحمه اللّه فإنه لم يذكر قي كتابه مما ذكره الهروي إلا كلمة اضطر إلى ذكرها إما لخَلل فيها، أو زيادة في شرحها، أو وَجْهٍ آخرَ في معناه، ومع ذلك فإن كتابَهُ يُضَاهي كتاب الهروي كما سبق, لأن وضعَ كتابه استدراكُ ما فات الهَروي.
(1) - تقدمت مقدمته