وقبل الشروع في الكتاب نصدر بمقالة ذكرها أبو الحسين أحمد بن فارس في أول كتابه (فقه اللغة) , قال: اعلم أن لعلم العرب أصلا وفرعا, أما الفرع فمعرفة الأسماء والصفات, كقولنا رجل, وفرس, وطويل, وقصير وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم, وأما الأصل فالقول على وضع اللغة, وأوليتها ومنشئها, ثم على رسوم العرب في مخاطباتها, وما لها من الافتنان تحقيقا ومجازا, و الناس في ذلك رجلان: رجل شغل بالفرع, فلا يعرف غيره, وآخر جمع الأمرين معا, وهذه هي الرتبة العليا, لأن بها يعلم خطاب القرآن والسنة, وعليها يعول أهل النظر والفتيا, وذلك أن طالب العلم اللغوي يكتفي من أسماء الطويل باسم الطويل, ولا يضيره ألا يعرف الأشق, والأمق, وإن كان في علم ذلك زيادة فضل, وإنما لم يضره خفاء ذلك عليه لأنه لا يكاد يجد منه في كتاب الله تعالى شيئا, فيحوج إلى علمه, ويقل مثله أيضا في ألفاظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كانت ألفاظه - صلى الله عليه وسلم - هي السهلة العذبة, ولو أنه لم يعلم توسع العرب في مخاطباتها لعي بكثير من علم محكم الكتاب و السنة, ألا ترى قوله تعالى: ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ...) (الأنعام:52) إلى آخر الآية فسر هذه الآية في نظمها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشي من الكلام, وإنما معرفته بغير ذلك مما لعل كتابنا هذا يأتي على أكثره بعون الله, والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول, أن متوسما بالأدب لو سئل عن الجزم والتسويد في علاج النوق فتوقف, أو عي به, أو لم يعرفه, لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصا شائنا, لأن كلام العرب أكثر من أن يحصى, ولو قيل له هل تتكلم العرب في النفي بما لا تتكلم به في الإثبات ثم لم يعلمه لنقصه ذلك في شريعة الأدب, عند أهل الأدب, لا أن ذلك يرده عن دينه, أو يجره لمأثم, كما أن متوسما بالنحو لو سئل عن قول القائل: لهنك من عبسية لوسيمة *** على هنوات كاذب من