وبعد: فلما كان كشف دقائق العلوم وتبين حقائقها من أجل المواهب, واعز المطالب, قيض الله سبحانه وتعالى في كل عصر علماء قاموا بأعباء ذلك الأمر العظيم, وكشفوا عن ساق الجد والاهتمام في التعليم والتفهيم, سيما الأئمة الأعلام من علماء الإسلام, الذين قال فيهم النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ( علماء الإسلام أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) (1) فإنهم سباق غايات, وأساطين روايات ودرايات, فمنهم من استنبط المسائل من الدلائل, فأصل وفرع, ومنهم من جمع وصنف فأبدع, ومنهم من هذب وحرر, فأجاد وحقق المباحث فوق ما يراد, رحم الله أسلافهم, وأيد أخلافهم, غير أن أسماء تدويناتهم لم تدون بعد على فصل وباب, ولم يرو فيه خبر كتاب, ولا شك أن تكحيل العيون بغيار أخبار آثارهم على وجه الاستقصاء لعمري إنه أجدى من تفاريق الصعا, إذا العلوم والكتب كثيرة, والأعمار عزيزة قصيرة, و الوقوف على تفاصيلها متعسر, بل متعذر, وإنما المطلوب ضبط معاقدها في أحوال العلوم, والشعور على مقاصدها,
وقد ألهمني الله تعالى جمع أشتاتها, وفتح على أبواب أسبابها, فكتب ما رأيت في خلال تتبع المؤلفات, وتصفح كتب التواريخ والطبقات, ولما تم تسويده في عنفوان الشباب بتيسير الفياض الوهاب, أسقطته عن حيز الاعتداد, وأسبلت عليه رداء الإبعاد, غير أني كلما وجدت شيئا ألحقته إلى أن جاء أجله المقدر في تبييضه, وكان أمر الله قدرا مقدورا
(1) - تقدم تخريجه في (ص74)