ولم أودع في هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف, الذين هم أهل الصنعة, المسلم لهم الأمر من أهل عصرهم, وما أودعوه كتبهم, فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب, والموضوع, والمجهول, و أتفقوا على تركه فقد صنت هذا الكتاب عنها, وما لم أذكر أسانيده من الأحاديث, فأكثرها مسموعة, وعامتها في كتب الأئمة, غير أني تركت أسانيدها, حذرا من الإطالة, واعتمادا على نقل الأئمة.
وإني في أكثر ما أوردته بل في عامته متبع, إلا القليل الذي لاح لي بنوع من الدليل, في تأويل كلام محتمل, أو إيضاح مشكل, أو ترجيح قول على آخر, إذ لعلماء السلف رحمهم الله سعي كامل في تأليف ما جمعوه, ونظر صادق للخلف في أداء ما سمعوه, والقصد بهذا الجمع مع وقوع الكفاية بما عملوه, وحصول الغنية فيما فعلوه الإقتداء بأفعالهم, والإنتظام في سلك أحد طرفيه متصل بصدر النبوة, والدخول في غمار قوم جدوا في إقامة الدين, واجتهدوا في إحياء السنة, شغفا بهم, وحبا لطريقتهم, وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم, طمعا في موعود الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ( أن المرء مع من أحب ) (1) , و لأني رأيت أعلام الدين عادت على الدروس, وغلب على أهل الزمان هوى النفوس, فلم يبق من الدين إلا الرسم, ولا من العلم إلا الإسم, حتى تصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق, والجهل بصورة العلم, وظهر فيهم تحقيق قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا, فسئلوا فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا ) (2)
(1) - حديث صحيح أخرجه البخاري ( 6168 ) ومسلم ( 6888 ) من حديث ابن مسعود
(2) - حديث صحيح أخرجه البخاري ( 100 ) , ومسلم ( 6971 ) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص