ففي زمن عمر ابتدأت المعركة مع الفرس وكادوا ينتهون، وصارت مع الروم، وفي زمن عثمان أصبحت المعركة مع الروم فقط، ثم جاءت الفتنة المحزنة المصيبة، ووُضع السيف كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أمة الإسلام عقوبة على هذا التنافس على الدنيا.
لما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا) [1] ، فهذا من عقوبة ومِحن أهل الإسلام.
فوُضع السيف في أهل الإسلام وحصلت الفتنة، سيدنا عثمان -رضي الله عنه- حكم من (23 - 35) هـ الموافق (644 - 655) م. ثم جاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وبقي خمس سنوات (35 - 40) هـ، الموافق (655 - 661) م، 661 م قُتل سيدنا علي -رضي الله عنه-.
في مرحلة علي -رضي الله عنه- عندما تقاتل الناس وقفت الفتوح ووقف الغزو ووقفت الأمور على حالها، وأحب قيصر الروم أن يستفيد من الفتنة في بلاد المسلمين، وأراد الروم أن يتحركوا، وكان معاوية -رضي الله عنه- في الشام، وكان داهية، دهاة العرب المعروفون أربعة: معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-، وزياد بن أبيه من التابعين.
هؤلاء الدهاة الأربعة كلهم كانوا في معسكر معاوية، فكانت من الأسباب التي جعلت هذا المعسكر ينتصر، عقولهم تعمل بشكل جيد، وجيشهم متماسك، وابتُلي سيدنا علي كما ابتُلي سيدنا موسى بجيشه وقومه، أمة تافهة، كما ابتُلينا نحن بهذه الأمة التي نعيش فيها الآن.
وكان ابتلاء سيدنا موسى الأكبر مع بني إسرائيل، يتركهم قليلًا فيعبدوا العجل، يقول لهم: ادخلوا الأرض التي كتب الله لكم فقالوا: لا، اذهب أنت وربك فقاتلا، هؤلاء أناس لا يتحركّون فتعب معهم جدًا جدًا، فكان بلاؤه من قومه.
وجاء سيدنا علي نفس المشكلة، خرج إلى العراق فكان أهل الكوفة وأهل العراق وأهل الفتح أمة تعيسة تعبانة، حتى أن النصوص المنسوبة لعلي بن أبي طالب مجموع بعضها في كتاب (نهج البلاغة) ، عنَّفهم مرة تعنيفًا شديدًا حتى قال لهم:"يا أشباه الرجال ولا رجال، ملأتم قلبي قيحًا"، أنتم المصيبة!، قال لهم:"انظروا إلى تجاذب أهل الباطل بباطلهم، وانظروا إعراضكم عن حقّكم، تقولون لا رأي لي بالحرب".
كما يحدث مع كل الناس؛ يأتي واحد يقول:"فلان لا يفهم بالجهاد"!، تضطر أن تقول له:"أنا لما حملت البارودة كنت تلبس الحفاظة!". يقولون الآن:"فلان يفهم، وفلان لا يفهم، فلان أقوده، وفلان لا أقوده"، هذا الكلام قيل لعلي بن أبي طالب، فقال:"تقولون لا رأي لي بالحرب، ويحكم ومن للحرب إلا أنا؟! حملت راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولي من السنين عشرون، فكيف بي وقد بلغت الستين؟!".
(1) صحيح مسلم (2890) .