فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 613

وهؤلاء الناس يجب أن نذكرهم في تاريخنا، عملوا كل هذا العمل ليلًا نهارًا، كان ينام ثلاث أو أربع ساعات في اليوم، كان ينام من التَّعب وهو جالس، ومع ذلك كان له جزء أو جزء ونصف من القرآن يقوم الليل به ولا يتركه.

بعد هذا أحكي لكم عن عمر بن عبد العزيز، وكيف كانت فترة حكمه، حكم 29 شهرًا، ثم وضع له بنو أمية السم وقتلوه، أولاد عمه، نتيجة الصلاح الذي أحدثه في الإمارة.

وعلى سيرة النساء والجواري، سألوا زوجته، وزوجة عمر بن عبد العزيز هي فاطمة بنت عبد الملك، وهناك كتاب مهم جدًا، لأنه لو أردنا أن نتحدث عن عمر بن عبد العزيز يمكن أن نأخذ كورسًا من عشرين شريطًا، فقط نقتطف قصة أو قصتين حتى تروا الصَّلاح الذي حصل من الحاكم الصالح، الحاكم الصالح الحقيقي.

فاطمة بنت عبد الملك أبوها خليفة، وأخوها خليفة، أخت ثلاثة خلفاء، وزوجها خليفة، هي بنت خليفة، أي متأصّلة في الملكيَّة. فسألوها بعد مقتل عمر بن عبدالعزيز عن صلاحه، طلبوا منها أن تحكي عن خاصة أموره، حتى أن بني أمية أرادوا أن يطعنوا عليه مطعنًا، لأنه رجل كل حياته صلاح، أرادوا أن يطعنوا عليه مطعنا، قالوا:"سمعنا أنه كان عنده صندوق لا يعطيه لأحد"، فأرادوا أن يفتحوا الصندوق لعلهم يجدوا فيه بعض الشيكات أو كروت الفيزا!

قالت لهم تريدون الصندوق خذوا وانظروا ما فيه، فوجدوا فيه حبلًا، فسألوها عنه، قالت: كان يقوم الليل يربط نفسه ويتمثَّل ما يكون به يوم القيامة ويسأل الله العون؛ لأن الأمير يؤتى به مغلولًا يوم القيامة، فكان يربط نفسه، ويبكي على ما سيكون من حاله يوم القيامة.

ثم سألوها عن حاله، فقالت:"أما وقد سألتم، فما اغتسل عمر من جماع ولا جنابة منذ ولي الخلافة"، لا أتى أهله ولا احتلم من كثرة الهمّ الذي كان فيه، هم الخلافة وهموم المسلمين.

وحاكم هكذا حاله، لك أن تتصوّر كيف كانت سيرته. 29 شهرًا = سنتان وخمسة أشهر. ماذا يستطيع الشخص أن يعمل فيهم؟ انقلبت الخلافة رأسًا على عقب.

أولا: فاضت الصدقات حتى كان يُنادي المنادي: يا فقير، يا صاحب الدَّيْن، يا صاحب الحاجة، تعالَ في بيت المال هناك زكاة، فلا يأتي أحد!، فاضت أموال الزكاة حتى ما عاد يأتي أحد، فعمَّر بها -رضي الله عنه- أسطولًا بحريًا.

أرسل قاضي دمشق إلى الأندلس فقال: سمعت أن وراء البحر مسلمين، وخشيت أن يكون بيني وبينهم بحرًا فيُحجبوا مع الكفار، فاذهب فأتِ بهم كلهم، لا أريد فتوحًا بعد البحر وأرجع كل أهل الأندلس. فذهب القاضي فرأى كل أهل الأندلس في خير حال، وهم يغزون النصارى، وحالتهم قوية، فعمّر لهم جسر قرطبة على نهر الوادي الكبير، وهو موجود إلى الآن.

أنا سكنت في إسبانيا عشر سنوات، وسكنت في غرناطة والأندلس سنتين، فتمشي ويتقطّع قلبك، إلى الآن أسماء القرى وأسماء الطرق أسماء مسلمين وأسماء عربية، إلى الآن تدخل في كثير من كنائسهم فتجد أنها كانت مساجد وتحولت إلى كنائس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت