هم أنفقوا ميزانية في هدم المساجد، ثم لم يبقَ مال فصاروا يمحونها ويكتبون فوقها، إلى الآن هناك بعض مساجد الصُّلبان موضوعة فوق الآيات مباشرة، لم يجدوا وقتًا ولا مالًا لمسحها. تجد الآيات يوضع عليها الجير ثم الصليب، فقط الجير، لكن ما تزال الآيات موجودة إلى الآن، الآيات وبيوت من الشعر العربي.
عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- كان حاكمًا عادلًا، خليفة راشدًا، وهناك كتاب اسمه (سيرة عمر بن عبد العزيز) ، يجب أن تقرأوه، كتاب جميل جدًا، يُعتبر كتابًا في الرقائق لكثرة القصص التي فيه.
فالرجل أبعَدَ الشعراء والمطربين والمفسدين، وقرّب العلماء، حتى جاء الشاعر جرير، يريد أن يمدح عمر في أول ولايته، على طريقة الخلفاء أن يمدحه فيعطيه بعض المال، فلما دخل عنده، قال له: من أنت؟ قال: شاعر، قال: ماذا تريد؟ قال له: تعطيني مالًا، قال له: ليس لك في بيت المال حق، {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [1] .
فقال: اعتبرني ابن سبيل، فقال له: هذه حصة ابن السبيل ولا تأتي مرة أخرى. فخرج الشاعر فوجد العلماء والعمائم جالسة تنتظر الاجتماع، فقال قصيدة يقول في أولها:
يا أيّهَا الشيخ المُرْخي عِمامَتَهُ ... هذا زمانكَ إني قدْ مضى زمني
فمن هذا البيت تعرف أنه عندما حلَّ زمن عمر حلَّ زمن الدين، وذهب الشعراء وجاء العلماء. ومضى عهد عمر على هذه الصورة.
استخار عمر اللهَ -عز وجل- أربعين يومًا في كتابة الحديث، وبدأت كتابة الحديث في عهد عمر، لأنهم كان يتهيّبون كتابته حتى لا يختلط بالقرآن. فبدأت العلوم، واستمر الغزو، وساد العدل. وكان في حياته الكثير من المقتطفات البديعة، لكن ليس هناك وقت.
فلما رأى بنو أمية أنه ردَّ كل شيء إلى مكانه، حتى أنّ زوجته ابنة الخليفة عبد الملك وأخت ثلاث خلفاء، كان لديها من الهدايا والجواهر ما لا يعلمه إلا الله، فقال لها:"اختاري أنا أو جواهرك، واحد منا في البيت"، فقالت:"أختارك"، قال:"فأما جواهرك على بيت المال".
وجمع الجواري وقال لهن: من كان لها حظ في فلتستيئس الآن، التي تريد المكوث فلتمكث، والتي تريد أن تكون حرة تذهب، لست متفرغًا لأحد، فسُمع الصراخ والبكاء في بيت عمر.
ولما كان عمر أميرًا -وكان أميرًا على المدينة من أمراء بني أمية-، كان إذا مشى في الشارع يعرف الناس بعد ثلاثة أيام أنه مرَّ من هنا من رائحة العطر المميز له من الرفاهية، فجمع كل شيء وانتقى من ماله بضعة دراهم متأكد من حِلّها، فاشترى ثوبًا من الصوف وحمارًا وعبدًا يخدمه، هذا كان ملك الخليفة!.
(1) سورة التوبة، الآية: 60.