فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 613

وكان له سراجان؛ سراج لأهله وضيوفه، وسراج يحسب عليه أمور بيت المال والحكومة، فإذا جاءه ضيف من الليل سأله أأمر للمسلمين أم لي؟ فيقول له: لك، فيطفئ سراج المسلمين، ويُشعل سراجه.

وله قصص كثيرة جدًا، ومن القصص العجيبة أنّه عندما كان أميرً قبل أن يكون خليفة، كانت لزوجته فاطمة جارية جميلة، فقال لها بيعيني إياها، فكانت تمنعه من الغيرة، وجارية الزوجة لا تحل للزوج، فلما صار خليفة، وعزف عن الدنيا وما فيها، ولم يعد يأتي أهله ولا غير أهله، فزيّنت الجارية وأدخلتها عليه، وقالت: وهبتها لك.

فلما جاءت قال: من أين أنت؟، قالت: أنا جارية فاطمة، قال: من أعطاكِ لفاطمة؟ قالت: أبوها عبد الملك، فقال: من أين جاء بك أبوها؟، قالت: أخذني من فلان، قال لها: فكيف أخذك هداية أم بيعًا؟ قالت له: حياءً، فقال لها: أنت مغصوبة، وأنتِ حق بيت المال، احملوها لبيت المال!.

فكان رجلًا -رضي الله عنه- ذا حالة عجيبة، تقرأ الكتاب (سيرة عمر) تتعجب، وهذه فصول منه.

وعلى الهامش كحكم شرعي -لم يعد يلزمنا الحمد لله-: الرجل إذا أتى جارية زوجته، وهو محصن، هي لا تحل له، فهي حالة زنا، ولأن هناك شبهة مُلك، الحد لا يُطبقّ عليه، وإنما يُجلد مائة جلدة، فالمرأة إذا أرادت أن توقع زوجها تُرسل له جاريتها، فإذا أتاها يُجلد.

الشاهد أن عمر أراد أن يرتّب الأمور لإعادة الخلافة شورى بين المسلمين، وينزعها من بني أمية، فأخذ الأراضي والأموال وأرجع كل شيء إلى أصحابه. فوضعوا له السم وقتلوه، وعلى فراش الموت -في إحدى الروايات- أتوا بالقاتل فقال: لم وضعت لي السم، قال له: فلان أمرني، سأله كم دفع لك؟ قال: كذا، فقال له: انطلق وأحضر المال، فلما جاء به قال: هذا المال حق لبيت المال، لآخر لحظة وهو يموت أخذ ثمن قتله ووضعه في بيت المال!، وقال: هذا غريمي وأنا حي، لا يؤذيه منكم أحد، اذهب.

فقالوا له:"جوّعت أولادك وتركتهم بدون أموال ولا أملاك، انظر هشام ترك لأولاده ضياعًا وقصورًا، أولادك أحد عشر ذكرًا، تركتهم ليضيعوا في هذه الدنيا"، فقال:"ردّوهم عليّ"، وهو في آخر لحظاته يموت، فقال لهم:

"يا أولادي لقد خُيِّر أبوكم أن يعطيكم ما ليس لكم ويدخل النار، أو يمنعكم هذا الحق ويدخل الجنة، فاختار أن يدخل الجنة. يا بني إنما أنتم أحد رجلين، إما رجل عاطل فما كنت لأعينه بمالي على معصية الله، وإما رجل صالح فالله يتولى الصالحين". وصرفهم وما أعطاهم شيئًا.

قال الراوي: أدركت من أبناء هشام -ممن كان عنده من الضِّياع والقصور- من يتسوّل الناس بعد صلاة الجمعة في المسجد، وأدركت من أبناء عمر من يحمل ألف فرس في سبيل الله.

فالشاهد، هذه صور من العلماء والحكام، فلك أن تبصق على هذه النماذج التي أرانا إياه الله الآن من الحكام والعلماء والمصائب!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت