وهذه ومضات من تاريخ عمر، والحقيقة حين تقرأ الكتاب تحفظه من جماله، تحفظ مائتي قصة مباشرة من جماله.
قُتل عمر -رضي الله عنه- وجاء يزيد، وانتكست الأمور مثلما كانت وأشد، حتى جاء من أمراء بني أمية -والله أعلم بصحة هذه القصص لأنها كُتبت في مرحلة الشيعة ودسّ الطرفين على بعضهما-، كان اسمه الوليد بن الوليد حلف أن يأخذ الكلاب -وله كلاب صغيرة مدلَّلة- وأن يذهب ويبني قبة ويسكر على ظهر الكعبة.!
ثم وضع بحيرة من الخمر يسبح فيها والجواري، فسكر، فقام يستفتح القرآن، أي: يفتح ليرى الآية التي تُعجبه، وهذا منهيٌّ عنه، ففتح القرآن ليرى ما حظه من القرآن فكانت آية: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ، وذكرت كتب التاريخ أنّه غضب، فقال للقرآن: تهددني، فوضعه وبدأ يرمي عليه بالسهام ويمزقّه ويقول:
تهددني بجبار عنيد ... فها أنا ذا جبار عنيدُ
إذا ما جئتَ ربَّك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزَّقني الوليدُ
أي أنه كفر، فقام عليه أولاد عمه فقتلوه وخلعوه ووضعوا غيره. وكان الفساد في الملك لا يُتخيَّل، وبالطبع دولة كهذه ينطبق عليها قانون ابن خلدون: تتفكَّك، تفسد، الناس دخلت في الدنيا، الملك يتعطّل. فبدأت الثورات والانقلابات والخوارج.
حتى اتَّفق بنو عبد الله بن العباس أن يستغلّوا فساد بني أمية وأن يقنعوا الناس أن هذا الحكم هو حق لمن يرتضيه آل البيت، وبالطبع الناس تحب آل البيت، وهذه أول دعوة لآل البيت، يدعون لمن يرتضيه آل محمد، فأوهموا الناس أنهم من بني أبي طالب من سلالة الحسين بن علي -رضي الله عنهما-.
فلمَّا أيَّدهم الناس ودعموهم استعانوا بأهل خراسان، وهجموا على بني أمية وذهبت دولتهم، هذه الدولة الفاسدة التي لم يكن فيها إلا ومضات من الصلاح في فترة معاوية -رضي الله عنه-، وفي فترات قليلة من بعض الملوك، ثم فترة عمر بن عبد العزيز، والباقي كله تاريخ أسود.
ولكن يمكن أن نميز عدة أشياء من مرحلة بني أمية، آخر ملوك بني أمية واحد اسمه على اسم جده (مروان) ، وكان يسمى مروان الحمار، والحمار صفة مديح لصبره في الحرب، لأن الحمار عُرف بصبره وتحمّله لبني آدم، -الذين لا يحتملهم إلا حمار-، فعُرف بالصبر فسموه مروان الحمار، وكان فارسًا شديدًا، لكن لم ينفعه هذا.