المهم أنه في تلك المرحلة قاوم أهل الإسلام -وهذا يهمّنا جدًّا- بدون حكومة، قاومت كل الأمّة، حتى تقرأ في التاريخ أن شيخ النجَّارين في تونس حوَّل ورش النِّجارة لصناعة الأسطول، وكانت مجموعات من الناس تعمل في النجارة وتأتي بالأموال، وقسم من الناس يُقرصِن في سفن النصارى على البحر ويساعد المسلمين في إسبانيا لأنّهم كانوا مضَّطهدين.
فهو شيخ حِرفة، اجتمع الناس عليه وكانوا يجاهدون بدون وجود خليفة.
الأمة الإسلامية كلّها كانت تقاوم وتحارب الروم، الأمة وليست الحكومات ولا الجماعات ولا التنظيمات وليس عشرين شخص فقط، بل الأمة كان فيها حياة وكانت تحارب بنفسها.
بعد فترة وُلد رجل من أسرة كردية، والأكراد هم من بطون الأتراك، تسمّى هذه الأسرة بالأتابكة الزنكيين، الأتابكة هي لقب، فهؤلاء الأتابكة جاء واحد منهم اسمه عماد الدين زنكي، فأقام عماد الدين زنكي إمارة وأسقط إمارة الرها وضمّها، فشعر الناس الذي كانوا يجاهدون بمجموعات صغيرة أنّه صار لهم رأس، فبدأت الناس تفيء إليه.
فنزل هكذا من إمارة الرها وأخذ مناطق الأكراد في تركيا إلى الموصل، ثم نزل إلى بلاد الشام فأخذ سوريا والأردن، وأصبحت مملكة الزنكيين، فهؤلاء صاروا هم أهل السنة في المنطقة.
ثم عندما قُتل عماد الدين زنكي قتله الحشَّاشون؛ جاء ابنه المشهور نور الدين محمود زنكي، ويسمّى نور الدين الشهيد. خلِف نور الدين أباه وكانت عاصمته حلب، ومن هنا بدأ القتال لسنوات طويلة مع الصليبيين كدولة منظَّمة، فرجع للمسلمين ثلاثة مرجعيات؛ سياسية ودينية واجتماعية، وأصبح الناس إمّا أن يجاهدوا مع الجيش وإمّا أن يجاهدوا بصورة فرديّة.
ففي تلك المرحلة شعر الصليبيون أنهم بحاجة إلى الروم ليستعينوا بهم كدولة عظمى، ووجدوا أنه حتى يتوازن ميزان الصّراع يجب أن يأخذوا مصر، لتوفير الغذاء، ولم تكن مصر مثل الآن تأخذ القمح من صندوق النقد الدولي كل ثلاثة شهور، بل كانت مصر تُطعم سواحل المتوسط كلها قمحًا، وكان شمال إفريقيا يُطعم كل الإمبراطورية الرومانية زيت زيتون، فهذه كانت أهمية مصر بالنسبة للإمبراطورية الرومانية.
فأراد الصليبيون أن يأخذوا مصر، فبدأت الحملات الصليبية تنزل إلى مصر من البحر، وأحيانًا تدخل في فروع النيل لتحاول تصل إلى القاهرة، فشعر نور الدين الذي كان يتنقَّل بين ثلاثة عواصم رئيسية؛ (حلب، حمص، دمشق) ، بأهمية مصر.
ومصر كان يحكمها الفاطميون، والفاطميون شيعة متَّفق على كفرهم عند 90% من أهل السنة إلا بعض الفقهاء والمؤرخين من شمال إفريقيا، فهم من الشيعة الغلاة المنحرفين جدًّا، ودينهم مثل دين الدروز يقوم على أديان الهند والإسلام والنصرانية. ولكن كانوا عند عموم أهل الإسلام أنهم من أهل القِبلة، والأمور مخلوطة بهذه الصورة.