فبقوا يقاتلون أكثر من سبعين أو ثمانين سنة حتى خمدت ثورات القبائل وخمدت ثورات المشايخ، فبقوا فترة بدون جهاد واستحكم الفرنسيون إلى أن قامت الثورة الجديدة التي حرّرت الجزائر، وهي قامت أيضًا على المشايخ وعلى الجهاد، ولكن دخل العلمانيون فحصدوا النتيجة ووُلدت (جبهة التحرير الجزائرية) .
فانتهى الجهاد في كل هذه البلاد بوطني قومي، ولكنّه قام جهاديًا إسلاميًا، ولكن لعدم وعي الناس وعدم وعي المشايخ حصد القوميون والأحزاب وغيرهم النتيجة .. وسنشرح الآن لماذا.
في المغرب نفس الشيء؛ من القتال ضد الإسبان وضد الفرنسيين إلى عبد الكريم الخطابي الذي هو صوفي مالكي من أئمة المالكية، مثله مثل الباقين.
فقضية الغبش والدخن الذي لحق بالعقائد والمذاهب هو أمر لا نختلف عليه، وهذا معروف عندنا نحن (السلفيّين) في عقيدتنا وفي فقهنا واعتمادنا الدليل، كل هذا معروف عندنا ولكن هناك أمر في التاريخ؛ وهو أن هؤلاء الناس قاتلوا وجاهدوا.
فهكذا انتهت المرحلة الأولى من الحرب الصليبية بنفس الطريقة التي انتهت فيها الحملة الأولى وهي أن أمة الإسلام قاتلت ضدّ أمة الصليب، وهنا ظهر طرف جديد على المسرح في المعادلة وهم أمة اليهود؛ أمة اليهود جاءت في جيوش الأوروبية حتى يأخذوا فلسطين كمكافأة لهم على المساهمة وحتى تتخلّص أوروبا من المشكلة.
فكانت المعادلة الأولى في الحملات الصليبية الأولى كما تذكرون هي: (أمة الصليب ضدّ أمة الإسلام فانتصرت أمة الإسلام) . في الحملة الثانية كانت: (أمة الإسلام ضدّ أمة الصليب وأمة اليهود) . فدخلت أمة اليهود وعصابات الهاجانا والعصابات المتطرفة الصهيونية في الحرب، وكان هناك جنرالات يهود في الجيش الإنجليزي وفي الجيش الفرنسي وفي الجيش الإيطالي وغيره.
أما أنّ هذه الحرب حرب صليبية فهناك مؤشرات كثيرة. كما قلت لك أن الجنرال (غورو) ذهب لقبر صلاح الدين وقال له:"ها قد عدنا يا صلاح الدين". الجنرال (ألنبي) نصب علم بريطانيا على جبل الزيتون وقال:"الآن انتهت الحروب الصليبية"، وعلم بريطانيا هو صليبان صليب أول وصليب ثاني، فنصبه وقال قد جئنا وأخذنا سواحل الشام مثلما أخذناها أولًا.
أما النشيد الوطني للجيش الإيطالي فقرأت مرّة ترجمته، فخلاصة ترجمته لما دخلوا ليبيا:"يا أمي لا تبكي عليّ فأنا ذاهب أقاتل الكفار المسلمين وأنصب صليب المسيح على كذا"، يعني نشيد صليبي من أوله لآخره، نشيد الجيش الإيطالي.
فصحيح أنّها حركات استعمار حديث، ولكنها جاءتنا بروح صليبية. فكان القتال مع الروم ذات القرون ضد الإسلام مثل السابق ولكن دخلت معهم أمة اليهود.