فذهب إلى سوريا على أساس لقاء مباشر، فبقي الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يتنقل من دمشق إلى حلب أربعة أشهر ثم لم يسمحوا له بلقاء الرئيس، ثم جاءه البوطي وقال له:"الرئيس يقول أنك عالم جليل في هذا البلد، ولا بأس أن تحصل على عفو شخصي وتذهب لبيتك، ومن أراد أن يفعل مثلك من أي واحد من هؤلاء المطلوبين لا يحتاج إلى مباحثات ولكن يذهب للسفارة وأبواب السفارة مفتوحة ليقدّم جوازه ويرجع ليحصل على عفو".
فتحوَّلت القضية -والتفاصيل طويلة- إلى أن يذهب الإنسان للسفارة ويأخذ جوازًا ليذهب لسوريا فتستقبله المخابرات فيكتب تقريرًا عن حياته، ثم يُعطى بيانًا للتوبة مكتوب في أعلاه:"بسم الله الرحمن الرحيم {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} " [1] ؛ أي ربِّ بما أنعمت عليَّ بالتوبة والدخول مع الحكومة فلن أكون ظهيرًا للمجرمين الذي حملوا السلاح.
ومنتهى حال هؤلاء إمّا أن يذهب إلى بيته أو يُستدعى كل فترة وأخرى حتى يقدّم معلومات عن المسجد وعن الحارة، يعني يصير مخبرًا عندهم!.
وكانت هناك مبادرات قديمة؛ فمن المبادرات التي حصلت بين الدولة والمجاهدين أن جماعة الطليعة -وهي الجناح المسلح للإخوان المسلمين- عندما ضُربت عسكريًا عرضت الدولة عليها مبادرة، وحصل صلح بين الطليعة والحكومة السورية ونزل بموجبه بعض قيادات الطليعة لسوريا.
والأردنيون يعرفون بعض الأسماء السورية والفلسطينية، فكان هناك شخص اسمه (أبو النور) وهو كان دكتورًا وكان نائب عدنان عقلة، فدخل سوريا وأصبح مدير الصحة في محافظة في جنوب سوريا وعضوًا للبرلمان، ثم شاهدناه على التلفزيون السوري في صلاة العيد يصلي في الصف الثاني خلف حافظ الأسد، فاستدار حافظ الأسد بعد صلاة العيد وسلم وقبّله في وجهه!.
جاءتنا الأخبار خرج واحد يتكلم من أقاربه فقال: كان يمزح معه ضابط أمن الدولة فيقول له:"لماذا لم تحلق لحيتك؟"، فقا له:"عندما نزلت عانقني حافظ الأسد، ولحية قبّلها حافظ الأسد جديرة أن لا تُحلق"!.
فهذه كانت نهاية المبادرات، فكيف كانت البداية .. ؟
بدأت المبادرة مع حافظ الأسد كعرض للطليعة بأن تضعوا السلاح مقابل إخراج السجناء، ومشاركة ما في الحكم، وحريّة الدعوة، فجاء إلى الاردن وعرض هذه العروض.
وعرض نفس العروض على الإخوان، فذهبوا إلى ألمانيا وتفاوضوا، وأنا كنت على تماسّ مباشر مع قيادات الطرفين حتى أرّخت لبعض هذه المبادرات، فاجتمعوا في ألمانيا ثم قالوا آخر
(1) سورة القصص، الآية: 27.