فالأقرب والأبعد في الفهم هي في الحقيقة قرب وبعد الخطورة، وليس قرب وبعد المسافة. نحن ماذا فهمنا؟ مسافة.
فقلنا:"الحكومات الحكومات"، فاشتغلنا في ضرب الحكومات. الآن في اليمن إذا أردت أن تقاتل حكومة اليمن، حكومة اليمن عندها جيش وعندها شرطة وعندها شعب، اليمن بلد قبلي، فالجيش والشرطة والأمن والوظائف والدوائر والبرلمان مقسَّمة تقسيمًا قبليًا، حتى أحيانًا قبيلة تخطف سياحًا، يقولون: نريد ثلاثة في البرلمان واثنين في الشرطة وعشرة في الجيش من أولادنا وأربعة بالجامعة بكلية الطب أو نقتل السياح، فيُعطون شيخ القبيلة ما يريد. فالبلد الشرطة فيها مقسَّمة على القبائل.
هذا الفهم لا يحق لك أن تشطبه من مخك وأنت تتعامل في حرب مع حكومة اليمن. معنى هذا أنت لما ضربت الشرطة وكان أفراد الشرطة من قبيلة شبوة، من ضربه؟ التنظيم الفلاني. هذا أبو شبوة يفهم في الولاء والبراء والتنظيم الفلاني؟ ذهب ووضع القبيلة كلها مع الحكومة في حرب الجهاد.
هذه القضايا معتبرة في الشريعة، حتى في قضية الفتنة فيها فقه كثير جدًّا جدًّا كيف كان توازن القبائل، يقولون لعلي: أخرج، سلمنا قتلة عثمان، يقول: لو سلمت واحدًا فهناك ستة آلاف شخص من قبيلته سينتصرون له ويدخلون في معسكر معاوية، لا أستطيع. وهذه مشهورة وموجودة في السيرة.
فأنت يحكمك واقع سياسي وعسكري في فهم مجال الخطورة. نحن فهمناها:"مرتدين قاتلوا المرتدين"، فصاروا يقاتلون المرتدين. ضربت أربعة أو خمسة فصارت كل القبائل مع الجيش كتلة متماسكة واحدة تريد أن تحارب المجاهدين!
خاصة أن القضية ليست هكذا فقط، كل الفقهاء وكل العلماء ماذا يقولون؟ فتنة، ستقول لهم: هذا كافر، يقولون لك: بل مسلم، تقول لهم: قال ابن عطية، يقولون لك قال ابن عباس:"كفر دون كفر"!.
فهي كتلة متماسكة لها فقهاؤها ولها شعبيتها، لها نظامها، منظَّمة، وأنت أتيت بأربعة مختلفين على بعض حتى في فهم (كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ) [1] ، كل واحد يفهمها بطريقته هو. فكيف أنت تريد مواجهة هذا الوضع المنَّظم بوضعك هذا؟!
ابتداءً يجب أن نفهم أن القضية ليست قضية مسافة، فنرجع نطرح المسألة أن قتال المرتدين وترك مصالح اليهود والنصارى هو تضييع للوقت والجهد. ولاحظ في الأثر لما في آخر الجهاد بدأ بعض الجهاديين يعملون في مصر، رجل طعن امرأة أمريكية فكانت قَدَرًا ملحقة أمنية تابعة
(1) صحيح مسلم (1889) .