فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 613

فاكتشف الحاكم أن الإنسان يقف عقله تجاه الدين، فلجأ إلى استخدام هذه الطريقة لتطويع الناس للحكم، فأصبح الكاهن يقول للناس أنّه يجب أن يُطاع الحاكم مقابل العلاقة التجارية بين الحاكم والكاهن، فهذا يُعطيه مالًا وأراضٍ وأشياء من الدنيا، وهذا يبيع دينه، فيقول لهم: هذا الحاكم ذو القرون أو هذا ابن الشمس أو هذا صاحب الدم الأزرق وغيره مما ذُكر في كتب التاريخ، فرعون كان ابن الشمس وكان مقدَّسًا عند المصريين؛ نصفه بشر ونصفه من الشمس!، ونشأ في أوروبا في أيام الملكية أن الملوك من أحفاد الآلهة.

فأصبح الكاهن يُصبغ نوعًا من الشرعية على رئيس السلطة، فأصبح يخرج للناس بكلمتين يقول لهم:"هذا صواب"، فيطيعوه، بينما كان رئيس القبيلة يحتاج حتى يحصل على موافقة الناس إلى جيش من الأعوان والسيوف والضرب والجلد حتى يخرج بنفس النتيجة، في حين بكلمتين من الساحر يُطيعوا، ومن هنا نشأت هذه العلاقة.

وحتى يضمن ألَّا يغير الكاهن رأيه وينازعه على السلطة صنع أعوانًا وقوة، فأصبح عنده قوّة فوق الكاهن وفوق الناس، حتى إذا لم يعجبه أرجعه إلى المنبر، وهذه مشكلة بشرية قديمة هذا الخبيث رئيس القبيلة"السلطة"، والكاهن الذي يسوّغ العوج للناس، ثم الأعوان.

فأصبح الناس يطيعون السلطة إما بالسيف أو بالذهب؛ كما يقولون:"سيف المعز"-سيف المعز لدين الله الفاطمي-، أو ما شابهه كالعصا أو الكهرباء أو شيء تُرعب به، ما بين السيف والدينار، أو من خرج من عند الشيخ يصبح يفكّر مثل الحمار، فهذه المشكلة مشكلة بشرية قديمة من عند أبناء آدم إلى يومنا.

تطورت البشرية من القبيلة إلى المملكة، كان الكاهن له كوخ صغير، والملك له بيت، فعمل الملك قصرًا كبيرًا له مداخل وله مخارج، وأراد أن يرقّي حاشيته، فعمل للكاهن معبدًا كبيرًا له مداخل ومخارج، ومن هنا نشأت المعابد والكنائس ودور العبادة القديمة.

وهكذا نشأت المملكة؛ ملك له أتباع وأعوان وإلى جانبه كاهن، والكاهن يحتاج إلى كهنة صغار؛ فهذا يسحر، وهذا يضع التمائم، وهكذا، فنشأت مؤسسة للحكم ومؤسسة دينية.

أذكر لكم نموذجين؛ قلنا في البداية كان هناك رئيس قبيلة، ثم صار ملكًا، ثم كبرت القضية فصار إمبراطورًا (مثل قيصر الروم) ، فكان القيصر بجانبه (البابا) ألفين عامًا طوال تاريخ أوروبا في العصور القديمة والوسطى حتى الثورة الفرنسية.

ودعونا نقف وقفة مع التاريخ الروماني، لأن هؤلاء هم من نحاربهم، هذا سبب. والسبب الآخر، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (لتَّتبعن سَنَن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) [1] ، يعني ستعملون كل ما سيعمله اليهود والنصارى، فمن جملة ما عمله اليهود والنصارى ونتبعهم به نظام (القيصر والبابا) ، والآن أذكر لكم التدرّج التاريخي إلى ما نحن فيه.

(1) صحيح البخاري (3456) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت