منه، ولكن كان اليهود هم سبب المشكلة، لأنهم أرادوا أن تكون لهم السلطة الدينية، فإذا جاء بالدين الصحيح فسيفقدون سلطتهم ولم يعد للأحبار قيمة.
وكذلك هم الذين أغروا بسيدنا يحيى، وقُدِّم رأسه مهرًا لإحدى بغايا بني إسرائيل اسمها (سالومي) ، أراد الإمبراطور أن يتزوجها، فطلبت منه رأس النبي الذي بُعث في تلك الأمة، وقبله ذُبح أبوه سيدنا زكريا، فنُشر بالمنشار بسبب كيد أحبار اليهود.
فعند ظهور نبي جديد يقف له المشايخ والأحبار والرهبان؛ لأن الملك لا يستطيع أن يقول له حلال وحرام. وهذه القصة بتفاصيلها سنمضي فيها برحلة طويلة لاحقًا وسنأخذ منها عبرًا؛ وهي: مسار الأنبياء ونشوء الشرك.
ونشأ الشرك بأن عملوا للصالحين تماثيل وقبورًا، وصاروا يصلّون بجوارها تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى- وهم يتذكّرون أن الصلاة إلى الله وأن هؤلاء صالحون، فنشأ أولادهم وأولاد أولادهم فصاروا يعبدون الصالحين، وصنعوا لهذا الصالح قلعة وكاهنًا ليأخذ المال والخيرات وأصبح ضريحًا.
والضريح ليس هذه الأحجار وإنما هو هذه المؤسسة الدينية التي أشرفت على نشر الشرك في الناس، وقصص الأنبياء كثيرة لن أتناولها، وفيها كثير من العبر، يعني تقف مع قصة سيدنا نوح -عليه السلام- فتأخذ عبرًا كثيرة منها أنه اشتغل كل هذا الزمان وخرج باثني عشر رجلًا. ومنها أن هؤلاء الاثنا عشر رجلًا كان من كرامتهم على الله -سبحانه وتعالى- أن أغرق الأرض ومن عليها من حيوانات وبشريَّة إكرامًا لهم، وبدأت الخليقة من جديد -كما قال الشيخ عبد الله عزام رحمة الله عليه-.
وحتى نبيّن هذه مشكلة هذا الثالوث الخبيث سنقف مع قصة سيدنا موسى -عليه السلام- وفرعون. وقصة بني إسرائيل وفرعون مذكورة في عشرات السور من القرآن الكريم، وربما تجد الجمل مكرَّرة، لماذا هذا التأكيد؟
كمية كبيرة من آيات القرآن الكريم هي عن قصة سيدنا موسى وقصة فرعون وعِبر بني إسرائيل، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أجاز رواية قصص بني إسرائيل، قال: (حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ) [1] ، لا تصدق ولا تكذب؛ لأن تاريخ بني إسرائيل فيه عبرة مسار البشرية.
ومن هذه القصة أقِف وقفات قصيرة؛ عندما جاء موسى -عليه السلام- وجاءهم بالبينات خاف فرعون وخاف أعوانه أن يفقدوا صلاحياتهم في المملكة، فقال أعوان فرعون: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [2] ، أي أجِّل الكلام معه.
تعالَ الآن نرسم خريطة هذا الصراع:
(1) صحيح البخاري (3461) ، صحيح مسلم (3004) .
(2) سورة الأعراف، الآية: 111.