موسى -عليه السلام- وهارون ومعه مؤمنو بني إسرائيل. وفرعون وهامان وجنودهما، وهناك السحرة رجال الدين. وهناك الناس، هؤلاء هم أطراف المعادلة.
فقال هؤلاء الأعوان الذين سمَّاهم القرآن (الملأ) وهم حاشية الملك، قالوا له كما ذُكر في القرآن: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [1] ، هذه المشكلة لا تستطيع أنت حلها، ولا الشرطة ولا أحد، هذه قضية دينية، {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [2] ، عندما تقرأ القرآن كموحِّد تأخذ دروسًا، وعندما تقرأه كعسكري تأخذ عبرًا، وعندما تقرأه كسياسي تأخذ أحكامًا ..
عندما تقرأ هذا الكلام بعقلية سياسي تستفيد فائدة كبيرة، وكل القرآن دروس وعبر؛ العبرة هنا: هل قالوا: لعلَّنا نتبع الفرعون؟ لا، بل: (لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) ، فالناس تتبع فضيلة الشيخ لا الملك ولا أمير الدولة.
في آية أخرى قال السحرة لفرعون: {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [3] ، فالموضوع مقابل أجرة، لم يقولوا أتينا لنصرة الحق ولا لإثبات الدين، ماذا تكسب وماذا نكسب بعد هذه المقابلة. فماذا كانوا يريدون؟ هل يريدون مالًا؟ معهم مال، نساء؟ كل واحد منهم هرِم لا يريد نساءً، فما هو الأجر؟
{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [4] ، هذا هو الأجر أن يكون مقرَّبًا. فقد يتساءل واحد ويقول: على ماذا يحصل الشيخ؟ يحصل على أن يكون مقربًا؛ إذا كتب رسالة لأي أحد يمشي أمره، يطلب أن يوزّع 3 مليون ريال على طلبة العلم في ليلة رمضان، فيقام أمره، وهو سيوزّعها كلها ولكن الإنسان يشكر اليد الأخيرة التي أعطته المال، فهم ارتبطوا بالشيخ، يمشي الشيخ ووراءه طلبة العلم، وخشعت الأصوات لا أحد يرفع صوته، ويُقدَّم ويُرفع، ويا فضيلة الشيخ، ويا جلالة الشيخ، هذا هو الأجر الذي طلبه السَّحرة.
الآن نشأت طبقة علماء السلطان على هذه السنّة فأفرزت في آخرها نماذج منها هيئة كبار العلماء، ومنها مشيخة الأزهر، ومنها نظام مفتي الدولة .. إلخ، الهياكل الدينية التي ظهرت في الإسلام، فهذه هي القصة.
ولكن فرعون كان أغبى من حسني مبارك مائة مرة؛ فأتى بأناس غير متوثّق من ضلالهم أولًا، والأمر الآخر أنه عمل المصيبة كلها أمام الناس. وهذه القضية للغلام لما تشاجر مع الملك قال اجمع الناس لنتحاور، وهذه القضية التي لا يريدون أن نعملها اليوم.
فخرج وزير أمن الدولة والإعلام وقال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [5] ؛كلهم عشرون واحدًا،
(1) سورة الأعراف، الآيات: (111 - 112) .
(2) سورة الشعراء، الآيات: (38 - 40) .
(3) سورة الأعراف، الآية: 113.
(4) سورة الأعراف، الآية: 114.
(5) سورة الشعراء، الآية: 54.