سفيان الثوري -رحمه الله- كان فقيه صاحب مذهب، بقي من مذهبه آراء له في كتب الفقه ولكنّه لم يُكتب، رغم أنه في مستوى أبي حنيفة والأوزاعي وعلماء عصره من الأئمة، عصى سفيان الثوري عدَّة خلفاء من العباسيين، أولهم أبو جعفر المنصور، ففرَّ منهم ولم يلِ لهم شيئًا، ودعوه بكل الوسائل حتى عجزوا.
وهذه القصة فيها أمر عجيب جدًا، أبو جعفر المنصور خليفة بني العباس العظيم، الذي أسَّس دولة بني العباس، يريد أن يدخل سفيان الثوري في طاعته حتى لا يقول الناس:"لولا أنه سيء ما هجره"، فهرب في الصحراء حتى لا يكون في حاشية السلطان.
فجاءه في بيته، ضُرب الباب ففتح سفيان فوجد أبا جعفر المنصور، فبدل أن يرحّب به ويقول له أهلًا وسهلًا، سأله أول سؤال:"ماذا جاء بك؟"، فالخليفة كان رجل ذو أعصاب هادئة، رجل سياسي، فقال له:"جئت لأنظر هل لك حاجة؟"قال له سفيان:"أوَتَقضيها لي؟"، ففرح الخليفة وظنَّ أنه دخل في الخط، فقال له: نعم أقضيها، ما هي؟"قال له:"لا تأتيني حتى أدعوك، ولا تدعوني حتى أرفع إليك أنَّ لي عندك حاجة"، لا تأتيني ولا تناديني!."
فخرج أبو جعفر وكان رجلًا لبيبًا عظيمًا رغم ما عنده من ظلم، خرج يضرب كفًّا بكفّ، ويقول مقالة جميلة تأمّلوها:"كل الطيور علفناها فالتقطت إلا سفيان"؛ شبَّه نفسه برجل يرشُّ الأرز للطيور، فكل الطيور تقع وتأخذ. والعلف طعام الدواب، فرششنا العلف فكل الدواب من طير وحمار وإبل أكلوا إلا سفيان [1] .
فحتى الملك الذين ينصر نفسه بهم يعلم أنهم طبقة علف. وكان المعلوفون في ذلك الزمان نوادر، ولكثرة ما أزعج سفيان أبا جعفر المنصور حكم عليه بالإعدام، ففرَّ إلى مكة، ولقدر ما أفتى في مسائل ضد أبي جعفر حلف أبو جعفر أن يذهب إلى مكة معتمرًا، ويصلب سفيانًا على باب الكعبة.
فلما جاء وانتشر الخبر، كان سفيان واضعًا رأسه في حِجر واحد من التابعين من أئمة الحديث في الحرم، أظنه ابن معين، فقال لسفيان أن الرجل جاء فارحم نفسك وارحمنا واخرج من مكة حتى لا تقع المصيبة، فقال:"أتخشوا أن يدخل علينا أبو جعفر؟"، وقام إلى أستار الكعبة وقال:"برئت منه إن دخلها علينا أبو جعفر"، هذا الكلام ظاهره كفر؛ معناه إن دخل علينا أبو جعفر برئت من الكعبة، فأعظم الناس القول جدًا، وقعدوا ينتظرون فلما وصل أبو جعفر إلى ميقات الحرم ووضع رجله فيه توفّي!
(1) لم أجد مصدر هذه القصة وقد ذكرها الشيخ عبد الله عزام في تفسيره لسورة التوبة، وروى الذهبي في كتابه سير (أعلام النبلاء) قصة قريبة 6/ 641 ط دار الحديث:"لَمَّا اسْتُخْلِفَ المَهْدِيُّ بَعَثَ إِلَى سُفْيَانَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ خَلَعَ خَاتَمَهُ فَرمَى بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ هَذَا خَاتَمِي فَاعمَلْ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَأَخَذَ الخَاتَمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: تَأذَنُ فِي الكَلاَمِ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ? قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ لَهُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ? قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَكَلَّمُ عَلَى أَنِّي آمِنٌ? قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لاَ تَبعثْ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، وَلاَ تُعْطِنِي حَتَّى أَسْأَلَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ، وَهَمَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ: أَلَيْسَ قَدْ آمَنْتَهُ? قَالَ: بَلَى. فَلَمَّا خَرَجَ حَفَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا مَنَعَكَ، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَعْمَلَ فِي الأُمَّةِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ? فَاسْتَصْغَرَ عُقُوْلَهُم، وَخَرَجَ هَاربًا إِلَى البَصْرَةِ."اهـ.