فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 613

مات أبو جعفر في ميقات الحرم، ميقات أهل العراق، فعلم الناس ماذا قصد سفيان، فهو قال قول المتيقّن يقينًا أن أبا جعفر لن يدخل، كالذي يتيقّن أن اللبن أبيض، وهذا من كرامات الصالحين وخصوصياتهم، وهذا كان نموذجًا من نماذج العلماء الذين عاشوا في هذا العصر.

فذهب سفيان وجاء أبو حنيفة -رحمه الله-، وأبو جعفر يريد من يسند الحكم. فأرسل لأبي حنيفة أمام كل الناس وطلب منه أن يتولَّى القضاء، فأخبره أمام كل الناس أنه لا يصلح، فقال له: كذبت بل تصلح، فقال له أبو حنيفة: حكمت على نفسك؛ إن كنت صادقًا فلا أصلح، وإن كنت كاذبًا فلا يصلح قضاء الكذاب، ففي الحالتين لا أصلح!.

فسأله ماذا تقول فيّ؟ فقال له أبو حنيفة: أعفِني، قال له: بل ما تقول فيّ؟ قال:"والله يعلم كل من عليها أنك ظالم، ولو أنكم طلبتم مني أن أعدّ لكم لَبِنات المسجد وأنا جالس ما عددتها لكم"؛ أي لا أساعدكم في بناء المسجد.

وفي الروايات القوية ضُرب وعُذب، وخرج من السجن ثم مات بعد أيام، وغالب الظن أنه سُمّ في عهد أبي جعفر، أو أنه مات من الضرب، أو مات من السم، هذا أبو حنيفة.

ثم مالك مع أبو جعفر نفسه، أفتى مالك بالخروج على أبي جعفر، وكان قد خرج عليه أخوان، الولد الرابع أو الخامس لعلي بن أبي طالب محمد بن النَّفس الزكيَّة من أئمة أهل البيت. وخرج أخوه إبراهيم في الكوفة، فأفتى لهم أبو حنيفة بالخروج على أبي جعفر. وأما محمد في المدينة فأفتاه مالك بالخروج، وتم الإفتاء بالإيحاء؛ قالوا في عنقنا بيعة لأبي جعفر، فكان درس الإمام مالك في ثاني يوم عن إسقاط طلاق المُكرَه، قال:"إذا طلَّق الرجل وهو مُكرَه لا يقع"، ففهم الناس المقصود من المكره، وخرجوا مع محمد النفس الزكية.

فهناك تاريخ طويل عريض يجب أن تقرأوه، والجهل في التاريخ والواقع له انعكاسات، لم نعد نفهم ماذا نصنع، وما الصواب وما الخطأ. فهذه نماذج.

في زمن العباسيين كان ظهر رجل في خراسان وكان الوالي اسمه: عبد الله بن طاهر، وكان في ظلم مثل الحجّاج، ولكن الحجّاج أشهر، وفي زمانه تعارك السلفية والجهمية، وكتبوا كتبًا ضد بعضهم، فأصدر مرسومًا يمنع أن يتكلم أحد في الموضوع.

( ... ) من الجماعة اليوم؟ قال له: محمد بن أسلم ومن معه، أراد الخليفة أن يستفزه، وكان الحكام حينها ذوو فهم وقرأوا التاريخ، فقال له: ما لك لا تنظر إلى السماء، وقد كان عمر بن الخطاب وشراك نعله خير منك يطيل النظر إلى السماء؟ فقال دون أن ينظر إليه: وَلِمَ لاَ أَرفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ؟ وَهلْ أَرْجُو الخَيْرَ إِلاَّ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ?! وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مُؤَمَّلَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُوْلُ:"النَّظَرُ فِي وُجُوْهِكُمْ مَعْصِيَةٌ"!.

فأمر بحبسه، فحُبس اثني عشر شهرًا، وكان في زمانه يحيى بن معين من أئمة الحديث، وكان له مكانة، فقال له التلاميذ اكتب إلى الحاكم ليُخرج محمد بن أسلم، فقال: والله إني لأكره أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت