يدخل خطّي على السلطان!، يعتبرها مذمَّة في الدين، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تأتوا أبواب السلاطين فتُفتَنُوا) [1] ، هذا الحديث يوضّح لنا هذه الظاهرة.
فأبى وقال اكتبوا على لساني، فكتبوا، فلما ذهبت الرسالة للرجل أطلق محمد بن أسلم، فلما خرج قال:"مكثتُ في السجن اثنا عشر شهرًا ما سألتُ الله أن يُطلِقني"، يحتسب ذلك عند الله.
يحيى بن معين هذا عندما حصلت الفتنة الكبرى لأحمد بن حنبل ضعُف فوَارَى ولم يقف موقف أحمد ابن حنبل، انظر هذا الذي لم يقبل أن يدخل خطّه على السلطان، في لحظة ضعف لم يقف موقف الإمام أحمد ابن حنبل، ثم عندما خرج أحمد بن حنبل لم يقبل أن يسلّم عليه، ولما حضرته الوفاة جاء له يحيى بن معين وقال له:"ألم يقل الله: {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [2] ؟"فلم يردَّ عليه، فخرج وهو يبكي، فقال أحمد للناس وهو على فراش الموت:"يقول لي أُكره ولم يضرب سوطًا واحدًا!".
الآن الواحد يقول لك:"فلان مُكره"، تسأله لم؟ فيقول:"معاشه 300 ألف فإذا ذهب فسيصبح معاشه 100 ألف"، فهل هذا مكره؟!، كل واحد تسأله يقول لك مكره!.
فهذه نماذج من العلماء، وكتب الرجال مليئة بمثل هذه القصص، في المقابل تجد من ضعُف ضعفًا بسيطًا، هذه القصص تحتاج لمن يفردها.
المنذر بن سعيد البلوطي من علماء الأندلس، ومن عظمته فللشيخ سلمان العودة شريطان يتكلم عنه، عاصر واحدًا من خيار ملوك التاريخ الإسلامي هو عبد الرحمن الناصر، هو الذي حفظ الإسلام في القرن الرابع الهجري، لكنه كان صاحب قمار ونساء وغزو، ومات وترك لابنه الحكم بن عبد الرحمن ألفي ألف دينار ذهب غير ما في الخزينة، غير الأملاك من الجزية، حتى عجز النصارى في عهده عن القتال، قالوا نترك القتال حتى يموت.
ملك مجاهد لكنه صاحب الدنيا، فبلغ المنذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة وإمام الجامع أنّ هذا الملك اشترى جارية اسمها الزهراء، وإكرامًا لها عمَّر مدينة (الزهراء) قرب قرطبة، مدينة تحدَّث عنها التاريخ أنها آية في العمران، بالطبع الملك أخذ أرضًا وعمّر قصرًا، والوزراء أخذوا أراضٍ وعمَّروا قصورًا، وعِلية القوم والتجار، فأصبحت مدينة.
فأمر أن تُعمَّر له قبَّة لبِنة فضة ولبِنة ذهب، ويزينها بالجواهر، وعمل تحتها عرشًا، ودعا كل عِلية القوم ومنهم المنذر بن سعيد البلوطي، وجلس تحت الذهب والجواهر، وسأل الناس قائلًا:"هل سمعتم بملك جلس في مجلس مثل مجلسي هذا؟"قالوا:"ما سمعنا"، فلما رأى سعيد بن المنذر ذلك بكى، فقال له:"ما يبكيك وهذا مجلس فرح؟"قال:"رحمتك يا أمير المؤمنين أن يُنزلك الله منازل الكافرين"، قال:"كيف؟"قال:"ألم يقل الله تعالى: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً"
(1) لم أجده بهذا النص، أخرج النسائي (4309) وأبو داود (2859) عن النبي - صلى الله عليه وسلم: ( .. وَمَنِ اتَّبَعَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ) ، الحديث صححه الألباني.
(2) سورة النحل، الآية: 106.