فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 1257

! قالوا: فنقول: شاعر! قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر! قالوا: فنقول: ساحر! قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم! قالوا: فما نقول يا أبا عبد الشمس ? قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل! وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: هو ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. . فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره!

وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثورة، عن معمر، عن عبادة بن منصور، عن عكرمة: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له. فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام. فأتاه فقال له: أي عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا! قال: لم ? قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله! [يريد الخبيث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أنه أشد بها اعتزازا!] قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا! قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له! قال: فماذا أقول فيه ? فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا. والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى. قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. . قال: فدعني حتى أفكر فيه. . فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. يؤثره عن غيره. فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا. .) حتى بلغ: (عليها تسعة عشر) .

وفي رواية أخرى أن قريشا قالت: لئن صبأ الوليد لتصبون قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! ثم دخل عليه. . وأنه قال - بعد التفكير الطويل - إنه سحر يؤثر. أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه.

فهذه الروايات كلها تبين أن هؤلاء المكذبين لم يكونوا يعتقدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكذبهم فيما يبلغه لهم. وإنما هم كانوا مصرين على شركهم لمثل هذه الأسباب التي وردت بها الروايات، وما وراءها من السبب الرئيسي، وهو ما يتوقعونه من وراء هذه الدعوة من سلب السلطان المغتصب، الذي يزاولونه، وهو سلطان الله وحده. كما هو مدلول شهادة أن لا إله إله إلا الله التي يقوم عليها الإسلام. وهم كانوا يعرفون جيدا مدلولات لغتهم؛ وكانوا لا يريدون أن يسلموا بمدلول هذه الشهادة. وهو إنما يمثل ثورة كاملة على كل سلطان غير سلطان الله في حياة العباد. . وصدق الله العظيم:

(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . .

والظالمون في هذا الموضع هم المشركون. كما يغلب في التعبير القرآني الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت