ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئًا فيكون الأمر بخلاف ما ظنوه فقد يظنون فيما وعدوه تعيينًا وصفات ولا يكون كما ظنوه، فييأسون مما ظنوه في الوعد، لا من تعيين الوعد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت أن أبا جهل قد أسلم، فلما أسلم خالد ظنوه هو، فلما أسلم عكرمة علم أنه هو) .
وروي مسلم في صحيحه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: (لو لم تفعلوا هذا لصلح) . قال: فخرج شيصًا [في المطبوعة: (سبتا) ، والمثبت من مسلم] فمر بهم فقال: (ما لنخلكم [في المطبوعة:(لفحلكم) ، والمثبت من مسلم] ؟) قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) [والشيصُ: التمر الذي لايشتد نواه ويقوي، وقد لا يكون له نوي أصلا] . وروي ـ أيضا ـ عن موسي بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: (ما يصنع هؤلاء؟) فقال: يلَقِّحُونه يجعلون الذكر في الأنثي فَتَلْقَحُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أظن يغني ذلك شيئًا) فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنني / ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حَدَّثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله) .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب على الله، فهو أتقانا للّه، وأعلمنا بما يتقي، وهو أحق أن يكون آخذًا بما يحدثنا عن اللّه، فإذا أخبره اللّه بوعد كان علينا أن نصدق به، وتصديقه هو به أعظم من تصديقنا، ولم يكن لنا أن نشك فيه، وهو ـ بأبي ـ أولي وأحري ألا يشك فيه، لكن قد يظن ظنًَا، كقوله: (إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن) ، وإن كان أخبره به مطلقًا فمستنده ظنون، كقوله ـ في حديث ذي اليدين ـ: (ما قصرت الصلاة ولا نسيت) .
وقد يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته، كما وقع مثل ذلك في أمور، كقوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ، نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم لما ظن صدقه، حتى أنزل الله هذه الآية.
وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل الله فيها: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق، وأخرجوا البريء؛ / فظن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وقال في حديث قصر الصلاة: (لم أنس ولم تقصر) ، فقالوا: بلي قد نسيت. وكان قد نسي، فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وروي عنه أنه قال: (إني لأنسي [في المطبوعة:(لا أنسي) ، والمثبت من مالك] لأَسُنَّ)، وأيضًا، فقوله في القرآن: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة: 286] شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث قال في صدر الآيات: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الآيتين [البقرة: 285، 286] .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسي الأنصاري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نَقِيضًا من فوقه، فرفع رأسه. فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا